أصواتٌ تتعالى وبضائعٌ تُباع بأسعارٍ مختلفة؛ ومتبضعون يأتون من كل الأحياء المجاورة للمكان الذي يجمع باعة يعرضون أصنافاً مختلفة من البضاعة، هؤلاء جميعاً اعتادوا على المجيء في كل صباح من يوم الأحد إلى سوق "حطين" والذي يتحول اسمه إلى سوق الأحد في ذلك اليوم بالتحديد.
موقع eSyria تجوّل في السوق بتاريخ "15/1/2012" وأجرى لقاءات ميدانية مع العديد من مرتادي وباعة السوق، وبدأ مع السيد "محمد خير علي" /48/ سنة من الزبائن الدائمين في سوق الأحد وحريصٌ على التواجد قبل جميع الناس ليحظى ببضاعة نادرة؛ يقول: «أنا من هواة جمع الأدوات القديمة والأشياء النادرة؛ وهذا السوق يمنحني فرصةً للظفر واقتناء ما أريد، وقد خصصت زاويةً في منزلي لعرض تلك الأدوات القديمة؛ ففي أحد الأيام اشتريت مسبحةً قديمة حباتها من الحجر الأبيض بمبلغ /50/ ليرة وثمنها يزيد الآن على /1000/ ليرة».
لا يلزمني شيء مما هو معروض؛ لكني آتي إلى هنا كل يوم أحد لأرى الناس وأرى هذه البضائع الجميلة الزاهية وهي فرصةٌ لألتقي مع جاراتي وصديقاتي
السيدة "جميلة خليل" التقينا بها وهي تُقلب بعض الألبسة المستعملة المنثورة على الرصيف؛ فهي جاءت مصطحبةً ابنتها لتشتري لها بعض البلوزات الشتوية على حد قولها؛ وتضيف: «تبقى الألبسة المستعملة أفضل جودة وأقل سعراً من الموجودة في المحلات، اليوم اشتريت كل قطعة بـ/50/ ليرة فقط وحصلت على أربع بلوزات نسائية بثمن بلوزة واحدة مما تباع في باقي الأمكنة».
أما السيدة "وداد عبد الرحمن" فليس لها أية حاجة لزيارة ذلك المكان سوى استمتاعها بالمشهد الجميل الذي يجمع كل الناس بشكلٍ فوضوي يدل على بساطتهم بحسب تعبيرها؛ لكنها لا تمانع شراء بعض الحاجيات التي تلفت انتباهها: «لا يلزمني شيء مما هو معروض؛ لكني آتي إلى هنا كل يوم أحد لأرى الناس وأرى هذه البضائع الجميلة الزاهية وهي فرصةٌ لألتقي مع جاراتي وصديقاتي».
** باعةٌ لا يملكون سوى البضاعة:
أثناء تجوّلنا في أرجاء السوق التقينا عدداً من الباعة الذين تحدّثوا عن عملهم؛ فالسيد "عدنان فارس" /45/ سنة يقف بجانب بسطةٍ جوالة يبيع مختلف أنواع الأقمشة؛ يقول: «في هذا اليوم والمكان يكون البيع أفضل من ذي قبل؛ فالناس يأتون بأعدادٍ كبيرة والأسعار تناسب الجميع؛ هنا لا اضطر لدفع أي إيجار أو رسوم للمالية أو حتى رسوم نظافة كباقي المحلات؛ كل ما أملك هو هذه البسطة وأعرض عليها بضاعتي لأكسب بعض المال».
لم يكن كلام السيد "هاشم العلي" /40/ سنة (بائع أدوات منزلية) مختلفاً عن حديث زميله الذي يجاوره في السوق؛ حيث أضاف: «المميز في هذا السوق هو مجيء كل الباعة الجوالين إلى هنا في يوم الأحد لذلك فنسبة الأرباح تزداد لدينا مع ازدياد ارتياد الناس للمكان؛ فقد اعتاد الجميع على موعد مجيئنا إلى سوق "حطين" ومعظمهم بات يؤجل تسوّقه إلى يوم الأحد».
يمكن للمرء شراء أي شيءٍ يخطر بالبال في ذلك السوق؛ وكل شخصٍ ينوي العمل وكسب قوت يومه يمكنه ذلك بكل بساطة مثل ما يفعله السيد "بشار نور الدين" الذي يأتي بتشكيلة واسعة من البهارات والتوابل المختلفة ويضعها على طاولة فوق الرصيف ليكسب لقمة عيشه؛ فهذا أفضل من أن يبقى المرء دون عمل على حد قوله؛ ويضيف: «لا يحتاج هذا العمل سوى لرأسمالٍ زهيد جداً حتى إنني أشتري بضاعتي وأدفع ثمنها لتاجر الجملة بعد بيعها؛ دائماً أتواجد في هذا السوق أما يوم الأحد بالتحديد فأضع طاولتي على الرصيف لتكون واضحة لجميع زائري السوق؛ أكسب كل يوم نحو /200/ أو /300/ ليرة أما أيام الآحاد فيصل المبلغ إلى /500/ ليرة أو أكثر».
** حقيقة سوق الأحد:
لا يختلف هذا السوق عن أي سوقٍ آخر في المدينة سوى بالأمكنة التي تجمع الباعة في كل يوم من أيام الأسبوع؛ هذه المعلومة حدثنا بها أقدم بائع في السوق ويدعى "سليمان الأحمد" /55/ سنة؛ ويضيف: «قبل حوالي عشرة أعوام تقريباً كان الباعة الجوالون يجتمعون في ساحةٍ قريبة من سوق "حطين" ويأتون ببضاعتهم المتنوعة ليعرضوها على الزبائن؛ ومع مرور الأيام أصبحت مهنة البيع على البسطة عمل من لا عمل له؛ وبالتالي ازداد أعداد الباعة دون أن يكون لهم حق في احتلال جزءٍ من السوق على حساب أصحاب المحلات؛ لذلك تم إجلاؤهم من المكان؛ وباتوا ينتقلون من مكانٍ لآخر حتى اتفقوا على التواجد في أماكن مخصّصة طوال أيام الأسبوع؛ فيوم السبت يكون التجمع في ساحةٍ بحي "الهلالية" ويوم الأحد بجوار سوق "حطين" في الحي "الغربي" والاثنين في حي "الكورنيش" والثلاثاء عند بوابة "نصيبين" التركية؛ أما الأربعاء فالتجمع في حي "قدوربيك" وآخر أيام الأسبوع يكون في حي "حلكو" أما يوم الجمعة فهو عطلة لهؤلاء الباعة».
بات جميع أبناء المدينة يعلمون بهذه الأمكنة والمواعيد وصاروا يطلقوا على كل يوم باسم السوق الفلاني مثل "سوق الأحد" و"سوق الخميس" و"سوق الاثنين" وهكذا، وبمجرد قدوم أي يومٍ من تلك الأيام يعلم الناس مكان التجمع فيقصدونه لأنها صارت مصدر رزقٍ لهؤلاء الباعة وباتت تحتل جزءاً من ذاكرتهم.
