عندما يدق القدر ناقوس أوجاعه ويصب الفقر جام آلامه على عنق الإنسان يقف له العلم بالمرصاد ليبني الإنسان ذاته القوية متحلياً بالإيمان بالله عز وجل والإرادة القوية التي لا تعرف المستحيل مكرساً شعار لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة. من هذه القاعدة الشهيرة انطلق العم "إسماعيل محمد الراغب" ابن مدينة "رأس العين" مواليد 1936 ليبني ذاته المثقفة وعائلته المتعلمة فيكون مثالاً يحتذى به في كل المدينة.
موقع eHasakeh التقى السيد "اسماعيل الراغب" الذي بدأ حديثه لنا بالقول: «أنا من عائلة فقيرة وأميّة فوالدي كان يقرأ القرآن الكريم فقط ووالدتي أميّة، حصلت على الشهادة الثانوية عام 1964 بجهودي الخاصة، فقد تركت المدرسة في سن مبكرة بسبب ظروفي القاسية ولاسيما أن والدي توفي وأنا في التاسعة عشرة من عمري وترك لي 13 أخاً صغار السن وكنت معيلهم الوحيد وقد أحببت اللغة العربية والانكليزية بشكل كبير وحاولت إتمام دراستي الجامعية بإحدى اللغتين ولكن ظروف الحياة لم تسعفني عملت ميكانيكياً في شبابي الذي قضيت أغلبه في العمل واليوم أنا متفرغ للزراعة، وإدارة معمل لإنتاج الثلج، وطاحونة قمح».
أنا فخور بوالدي وبعمله وما قدمه للمجتمع وأزداد فخراً حين أرى الندبات على يديه وبياض شعره فهو رجل عصامي رعانا بالأمانة والصدق وحب الوطن بكل أطيافه وأعتز بوجوده في مجالس التحكيم، حقيقة إنه رجل مدهش
ويتابع بالقول: «شبابي قضيت أغلبه في العمل وكان هدفي دوماً أن أحقق في أولادي ما لم أحققه أنا فواظبت على العمل بكد وتعب لأوفر لأبنائي ما لم يتوافر لي وأوليت تعليمهم عناية خاصة فقد كانت دراستهم عندي أمرا مقدسا وكنت أزور مدارسهم بشكل أسبوعي أناقش معلميهم وأعالج معهم كل المشاكل وضمن البيت كنت أتابع دروسهم يومياً بنفسي لكل المواد والنتيجة من ذلك أن أولادي جميعاً اليوم هم خريجو الجامعات السورية الحكومية وهم على الترتيب من الأكبر إلى الأصغر: "لؤي" خريج كلية الصيدلة و"سهيل" طبيب أسنان و"رامز" طبيب بشري مختص بالأمراض الداخلية و"عاطف" خريج كلية العلوم الطبيعية و"محمد" خريج كلية التربية وأيضاً كلية الحقوق في التعليم المفتوح وابنتي الوحيدة "منال" خريجة معهد إعداد المدرسين بالحسكة قسم اللغة الانكليزية»..
وعن أسلوبه في تربية أبنائه والذي عرف بالحزم وصفه لنا العم الراغب بالقول: «أنا لا أسميه حزماً بقدر ما هو التزام بالنظام والاجتهاد فالعلم أمر مقدس والنظام هو السبيل الأفضل للتفوق والنجاح وعلاقتي مع أبنائي كانت وماتزال علاقة جدلية بروح الصداقة أما في موضوع العلم فالشدة كانت خياري الأول لأن ميكافيلي يقول الغاية تبرر الوسيلة والحمد لله اليوم يشكرني أبنائي على الوسيلة التي أوصلتهم إلى هذه النتيجة فقد عوضني الله بأولادي عما حرمتني منه الحياة وأحب أن أذكر مثلاً لطالما أحببته في حياتي هو: أن الورد ينمو بالعناية والشوك ينمو بالإهمال».
أما عن نشاطه الاجتماعي ودوره في مجالس الصلح الاجتماعي يقول العم "الراغب": «مجالس الصلح هي مجالس عرفية تشكل تحت إشراف المحكمة أو السلطة الإدارية وبتكليف رسمي من الجهات المختصة وطبعاً دون أجر تقوم بفض النزاعات العشائرية والزراعية وغيرها من الأمور التي تحكم مجتمعنا إضافة إلى أنها تساهم في كسر الروتين، ويختار لهذه المجالس من يتمتع بمكانة اجتماعية وسمعة حسنة ويحظى بالقبول لدى أغلب الناس ولها عدة شروط أهمها أن يرضى الطرفان بالجهة التي تحكم بينهم وبالحكم الذي يصدره والذي يعادل قرار المحكمة وقد اخترت أكثر من مرة في أكثر من قضية لهذه المجالس».
وبعيداً عن العائلة والأولاد يتحدث العم "الراغب" عن حياته الثقافية والسياسية بالقول: «في بواكير حياتي السياسية أعجبت بالشعب الألماني وأنا معجب بشخصية هتلر وحصلت على قاموس لتعلم اللغة الألمانية من حبي لهم ثم تجاذبتني عدة تيارات سياسية في فترة الشباب وأعجبت أيضاً بشخصية الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، واليوم أنا مستقل منذ بدأت تربية الأولاد أما من الناحية الثقافية فأنا قارئ نهم كنت ومازلت اعشق الكتاب الذي كان له دور كبير في حياتي وصبري على آلام الحياة ولي ميول أدبية وقد شاركت في عديد من الأمسيات الشعرية أذكر منها إحياء ذكرى الشاعر السوري الكبير نزار قباني عام 2001 في سينما السفراء بدمشق كما تربطني صداقة جميلة مع العديد من الشعراء والأدباء مثل الشاعر "جاك شماس" من مدينة الحسكة والشاعر والناقد "خالد محي الدين برادعي" من مدينة "يبرود" والشاعر "قاسم الزاوي" من دير الزور وآخرين كما تستهويني بشدة كتب التطور العلمي والتكنولوجي».
وعن اهتماماته الموسيقية والرياضية يضيف: «إن من ينهل من كتب الأدب يجد نفسه من دون سابق إنذار يبحر في محيط الموسيقا وأنا معجب بشدة بالموسيقا الغربية فهي تحكي لك قصة معينة من خلال المعزوفات التي تقدمها ولاسيما في سمفونيات بتهوفن وهيمسكي كورساكوف وليالي شهرزاد وغيرها أما الموسيقا العربية الحديثة فهي غير مدروسة بعناية كالغربية لكن السنباطي أبدع في عديد مجالاتها وخصوصاً في أغنية الأطلال التي غنتها السيدة أم كلثوم وأكثر ما يستهويني من الآلات الموسيقية الكمان.
أما في مجال الرياضة فقد عملت في النوادي الرياضية واحترفت الملاكمة لفترة والسباحة ومازلت حتى اليوم أتابع بقدر الإمكان آخر الأحداث الرياضية».
ولمدينته "رأس العين" مكانة في نفسه يصفها بقوله: «رأس العين مدينة هادئة وادعة سكانها فيهم الطيبة وتجمعهم روح المحبة والتآخي بين كافة الأطياف هجرها العديد من أهلها ولاسيما من السريان والأرمن الذين كانوا ذوي فعاليات حميدة في المدينة، ماضيها أجمل من حاضرها لما كانت تتمتع به من طبيعة جميلة وينابيع غزيرة جف معظمها في يومنا مع الأسف، أعشق فيها منظر الغروب الذي أتابعه بشغف وألم، وأرى فيها سحر حضارة وطننا الحبيب سورية وتآخي أبنائه».
الأستاذ "عاطف الراغب" ابن العم "إسماعيل" تحدث لنا عن والده بالقول: «أنا فخور بوالدي وبعمله وما قدمه للمجتمع وأزداد فخراً حين أرى الندبات على يديه وبياض شعره فهو رجل عصامي رعانا بالأمانة والصدق وحب الوطن بكل أطيافه وأعتز بوجوده في مجالس التحكيم، حقيقة إنه رجل مدهش».
السيد "إبراهيم دوشي" صديق العم "إسماعيل" تحدث عنه قائلاً: «هو إنسان مكافح صبور لم يتلق تعليماً عالياً لكنه استطاع بجهده الخاص أن يثقف نفسه ثقافة عالية، نشأ في بيئة فقيرة مادياً ولكنه بدأبه وعمله المتفاني استطاع أن يؤسس أسرة لا تقدر بثمن من المال. اجتماعي بطبعه سبق زمانه في تفكيره المتحرر وعلاقاته الجميلة مع كافة أطياف المجتمع متسامياً فوق الطائفية والعشائرية لذلك اختير مصلحاً بين الناس في مجالس التحكيم والصلح الاجتماعي ورغم عمره لكنه يعيش شباباً دائماً في تفكيره وسلوكه ضمن منظمة القيم الاجتماعية النبيلة».
