في بداية حياته فقد بصره، فلم تكسره الحياة ولم يستكن لها، فحاول أن يجد له مكانا بين المبصرين، يتقن جميع أعماله اليدوية، ولا يمل من ملاحقة حلمه...

"لؤي محمد الحسين" 1964م، فقد بصره عندما وصل إلى الصف الرابع الابتدائي، موقع ehasakeh زاره في مقر عمله، وانتقل معه إلى منزله وكان الحوار التالي، يقول "لؤي": «دخلت مدرسة "فاطمة الزهراء" عام 1971م، وعندما نجحت إلى الصف الرابع شعرت بضعف في البصر، وأخذني والدي إلى عدة أطباء، ولكن لم تكلل المحاولات بالنجاح».

دخلت مدرسة "فاطمة الزهراء" عام 1971م، وعندما نجحت إلى الصف الرابع شعرت بضعف في البصر، وأخذني والدي إلى عدة أطباء، ولكن لم تكلل المحاولات بالنجاح

يتابع "لؤي": «أظلمت الدنيا وانقطع النور، وفي عام 1984م، تم إنشاء مسجد في حيينا فاتجهت لحفظ القرآن الكريم، وتكفلني آنذاك المرحوم "بشير عبد العال" المعروف بـ"أبو شوقي النجار"، حفظت على يديه عشرة أجزاء من المصحف الشريف في عامين، وكان يحفظني بعض الأحاديث القدسية والنبوية، وعند العودة للمنزل أعدت لي المرحومة والدتي "بسطة" أبيع عليها الحلوى للأطفال كنوع من التسلية، لأن واقع فقد البصر وقتها كان رهيباً وقاسياً على قلبي.

لؤي بين اولاده الخمسة

يضيف "لؤي": «ولما أيقنت أنه لا محيص مما أنا فيه قررت التأقلم مع الحياة، وبدأت بأقرب شيء لقلبي، كان جهاز الهاتف هو ملاذي الذي ألتجئ إليه، فأعبر بأرقامه عن واقعٍ أرقم، ولكن ما جرى أنني أتقنت العمل عليه بشكل جيد، فخضعت لدورة مبسطة في مقسم مؤسسة الإسكان، كان يعلمني عامل المقسم بشكل ودّي، ومن ثم انتقلت لدورة نظامية لتأهيل المكفوفين في المدرسة النموذجية لتأهيل المكفوفين في "دمشق"، تخرجت فيها أحمل مؤهل مهني للعمل على المقاسم الآلية عام 1987م، تم تعيني كموظف مؤقت في شركة الرصافة، وجدد عقدي عدة مرات وما زلت أعمل في المقسم لهذا التاريخ».

الأستاذ "بكر فيصل عكلة" رئيس الدائرة الإدارية في "شركة الرصافة" يقول: «في عام 1987م، قَدِم "لؤي" إلى الشركة وكان يحمل مؤهلاً للعمل على المقاسم الآلية، وكان مندفعاً للعمل ويمتلك ذاكرة جيدة وذكاءً مميزاً، ولديه مقدرة ممتازة على حفظ الأرقام، إضافةً إلى أنه ثاقب البصيرة الأمر الذي جعل زملاءه يشككون في صدقه، وقد قام بعض زملائه بنصب عدة كمائن للإيقاع به إلا أنهم تأكدوا من صدقه، وبدأ عمله على المقسم ولا أذكر انه أخطأ في أي رقم طلب منه، ويختم السيد "عكلة": إنه لا ينثني عن أي هدف يضعه لنفسه، فهو إنسان جريء ولا تأخذه في الحق لومة لائم، ولطالما وقفت إلى جنبه عندما يتغير المديرين في الشركة، ولطالما حظي باحترامهم وتقديرهم».

مكتبة قد يملكها المبصرون

يقول "لؤي": «بعد أن ضمنت الوظيفة قررت أن أشرك شخصاً في حياتي لكي يساعدني على مواجهة الحياة المريرة، فكانت زوجتي عيني التي أرى بها، ولكن القدر أبى أن يتركني وشأني فلم أرزق منها بأولاد، فقررت أن تبحث لي عن زوجة، وبعد أن اطمأنت علي اختارها الله إلى جواره».

وعن الكتابة يقول: «كانت الكتابة تراودني منذ عام 1990م، وكانت الغاية من الكتابة هي تبسيط بعض الأفكار التي تأخذ الطابع الديني الاجتماعي، وفي عام 2005م تم بعونه تعالى أول كتبي بعنوان "ينابيع الحقائق" ويطوف على أكثر من /100/ موضوع ديني اجتماعي، وكان هذا الكتاب هو تفريغ لكمٍ هائل من المعلومات المحفوظة لدي في الذاكرة، كنت أهدف من هذا الكتاب إلى توعية الناس وإرشادهم للحق، الكتاب الثاني "تأمل وتألم" وهو عبارة عن نداء ونصائح وأفكار، لتقليص حوادث السير والأخطار، وهو رسالة لتصويب سلوك السائقين نحو الأفضل والأكمل، أما الكتاب الثالث فأخذ عنوان "نبض الحنان" وهو عبارة عن رسالة اجتماعية تعمل على توثيق الروابط الأسرية».

يختم الكتب التي أهداني إياها

أما رابع كتبه "الصحة من منظور خاص" فيقول عنه: «أردت من خلاله لفت عناية القارئ إلى نعم الخالق جل في علاه، من أجهزة دقيقة تموضعت في بدنه، تعمل ليلَ نهار بلا كلل ولا ملل وبالمجان، ويقع الكتاب في ثلاثة فصول، ولم يبصر هذا الكتاب النور مقتدياً بمؤلفه والسبب يعود على الوضع الاقتصادي ولله در القائل:

أجودُ بموجودٍ ولو بِتُ طاوياً / على الجوع كشحاً والحشى يتألمُ

وأُظهر أسباب الغنى بين رفقتي / ليخفاهمُ حالي وإني لمعدَمُ

وبيني وبين الله أشكو لفاقتي / حقيقاً فإن الله بالحالِ أعلمُ».

يضيف "لؤي": «تلا هذا الكتاب كتابان آخران، الخامس تحت عنوان "حوار هادئ على طريق المقبرة"، أما الكتاب السادس والأخير فحمل عنوان "قبس من الأطلس"، وهو كتابٌ جغرافي تاريخي مختصر، ولا يزال الكتابان في مرحلة التسويد».

وعن كيفية حركته يروي "لؤي" قائلاً: «أتحرك كالإنسان المبصر بسبب الممارسة، وأستخدم غالباً بعض الزيادات على الأشياء حتى أميز اتجاهها الصحيح، فأنا لا أعتمد على أحد في أموري الخاصة، فقد صممت بحرة وبنيتها بيدي دون الاعتماد على أحد فيما عدا ابنتي "وفاء" التي ترشدني أَوَضَعْتُ الأشياء في مكانها أم لا، وقمت أيضاً بتمديد الكهرباء للبحرة ليستأنس بها أطفالي، وأنا في الغالب أقوم بفعل كل الأشياء يدوياً حسب ما تقتضي الحاجة».

أما "وفاء لؤي حسين" البنت الأكبر لوالدها فتقول: «أحب والدي لأنه قوي وجريء، وهو متفتح ويناقشني بكل الأمور ويأخذ رأيي دائماً، وأنا فخورة به وأتحدث لزملائي في المدرسة عن كل ما يفعل، وعندما نذهب إلى السوق هو الذي يخبرني عن الأماكن ولست أنا من يفعل ذلك، ومهمتي فقط هو توحيه خط السير عنده، حتى إنني سألته ذات مرة "أبي إن كنت مبصراً فأخبرني وأقسم لك أنني لن أخبر أحداً"».

أعمى يقودُ بصيراً لا أبالَكُمُ / قد ضَلَّ من كانتَِ العُميانُ تَهديهِ...