«إذا أردت أن تحصل على أفضل البواري فعليك أن تقصد محل المعلم "صبري أبو فادي"».
بهذه الكلمات بادرنا "مراد علي" ونحن بقرب محل "صبري لحدو"، وهي كلمات من الممكن أن تسمعها من أي شخص في "المالكية".
نحتاج إيمانكم وثقتكم بنا أننا أشخاص فاعلون قادرون على العمل، ولكل من هو بمثل حالتي أقول ابحث في داخلك ستجد أن هناك قدرات ومواهب كبيرة تحتاج فقط منك أن تخرجها كي تساهم في مجتمعك بقوة وفاعلية
المعلم "صبري أبو فادي" كما يعرف بالمالكية، واحد من أولئك الذين تخطوا ظروف حياتهم الصعبة كي ينطلقوا منها نحو أفق النجاح والتفوق، ولإلقاء الضوء على تجربته كان لموقع eHasakeh هذا الحوار معه.
يقول "صبري لحدو": «ولدت صحيح الجسد والبنية وعند بلوغي التاسعة من عمري أصبت بالشلل نتيجة عدم توافر اللقاحات والخدمات الطبية الجيدة آنذاك، ولبعد قريتي "خربة عبيد" عن المدينة، وأصبحت أمام واقع جديد وصعب للغاية لطفل في التاسعة من عمره لأنني لم أعد قادراً على المشاركة في اللعب مع الأطفال، وذلك ما عزز في داخلي الرغبة لأن أثبت للجميع بأني لست معوقاً بل شخص يتمتع بكل ما يتمتع به الإنسان الطبيعي، وجاءتني الفرصة حينما بلغت السابعة عشرة عندما استأجر رجل من خارج المدينة غرفة في بيتنا وكانت مهنته هي تصليح المدافئ وبوابير الكاز، وعرض علي أن أساعده في العمل، ولمدة سنتين كنت أساعده وأراقبه في عمله حتى استطعت إتقان الصنعة».
ويتابع "لحدو": «حينما سافر عائداً إلى بلده اشتريت أنا المحل بعدته، وبدأت عملي الخاص بي، وحاولت أن أطور في العمل عن طريق جلب آلات حديثة للف البواري وتصنيعها، وطورت قسماً من تلك الآلات، حتى أتمكن من العمل عليها بسهولة وإتقان، وشيئاً فشيئاً بدأت أتوسع في عملي فبدل المحل الواحد استأجرت ثلاثة محلات متصلة معاً، أمارس خلالها عملي من تصنيع البواري وتصليح المدافئ».
ويضيف "لحدو": «في العام 2009 اشتريت دراجة نارية بدولابين، ولكوني لا أستطيع قيادتها بدولابين فكرت بتحويلها إلى دراجة نارية بثلاثة دواليب، وقمت بتطويرها بنفسي، حيث أجريت عليها جملة من التعديلات كي تناسب وضعي فعلى سبيل المثال قمت بتعديل علبة السرعة، ونقلت حركة مبدل الحركة "الفيتيس" من اليمين لليسار ليصبح من اليسار إلى اليمين، وقمت بتعديل مسننات التعشيق، وصَنعت لها هيكلاً خارجياً مغطى كي استطيع ركوبها في الشتاء، وقد تلقيت عروضاً كثيرة لبيعها، ولكني رفضت لأن لها مكانة خاصة لدي، لكوني أنا من قمت بتطويرها».
وبحرقة يتحدث "لحدو": «ما يحز بنفسي هذه النظرة القاصرة من بعض فئات المجتمع إلينا، فبعضهم يتعامل معنا كأننا أشخاص ناقصون غير مدركين أننا كاملون وقادرون على انجاز أي عمل، لأننا نمتلك الإرادة والتصميم والإيمان بذاتنا، كما نعاني من عدم توافر أبسط متطلبات المعاق من أرصفة أو ممرات خاصة».
ويستطرد "لحدو": «كانت لي تجربة اغترابية في أوروبا، وهناك لم أحس للحظة إنني معاق بل إنسان فاعل، لان أفراد المجتمع والمؤسسات الحكومية كانت تعزز هذا الشعور في داخلي، لكون كل ما يحتاجه المعاق متوافر هناك من ممرات وأرصفة وباصات ومواقف سيارات، وحتى البيت الذي أعُطي لي كان مجهزاً بكل الوسائل التي تتناسب مع وضعي».
ويضيف قائلاً: «للأسف الشديد في الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى إصدار قوانين ومراسيم خاصة بنا من اجل تعزيز وتفعيل عملنا في المجتمع، نصطدم بمزاجية الأشخاص الذين لا يراعون ابسط المبادئ الإنسانية، واذكر لك مثلاً إنني راجعت في فترة ماضية إحدى الدوائر في مدينة "الحسكة" من اجل الحصول على رخصة لاستيراد سيارة، ففوجئت بالموظف المسؤول يطلب مني الصعود إليه في الطابق الرابع من اجل أن يقوم بتوقيع معاملتي، وبالفعل حملني أقربائي كي نصعد إليه، وهذا جزء من أمور كثيرة تحتاج لمعالجة فاعلة من الجهات المعنية، فنحن نفتقد كما أسلفت لمسارات تركب على الأرصفة كي نصعد عليها، واغلب الدوائر الحكومية غير مجهزة بممرات خاصة لنا، وحتى الباصات التي نعاني خلال السفر بها، فمن المفروض تواجد على الأقل كرسي متحرك أو اثنين في أي كراج لخدمة من هم في وضعنا، لأنه ليس الجميع يمتلك كرسياً متحركاً».
ويختم كلماته: «نحتاج إيمانكم وثقتكم بنا أننا أشخاص فاعلون قادرون على العمل، ولكل من هو بمثل حالتي أقول ابحث في داخلك ستجد أن هناك قدرات ومواهب كبيرة تحتاج فقط منك أن تخرجها كي تساهم في مجتمعك بقوة وفاعلية».
"جمعة مسطو" من جيرانه يقول: «بحكم مجاورة محلي لمحل "أبو فادي"، وممارستي عملاً يشابه عمله حينما يستصعب علي أمر ما فلابد من استشارته، وهو شخص طيب القلب لا يتردد في المساعدة، إضافة إلى ذكائه وروحه المعنوية الكبيرة وروح النكتة لديه».
