في الأمسيةِ الشعريةِ التي جمعتْ كلاً من الشاعريَن "أحمد العباسي" و"خالد القادري" توحّدت المفردات والمعاني في قاعة المركز الثقافي بـ"القامشلي" يوم الأربعاء 25/1/2012؛ لتبوح قصائدهم بالكثير من العبارات الملحفة بعاطفةٍ ملؤها الحب، العذاب، الفراق والانتظار؛ لتعلن أمام الملأ ولادة قصيدةٍ لا تعرف اليأس ولا الهزيمة؛ مُبتعدةً أيما ابتعاد عن النفاق والمراءاة من خلال أسلوب الإلقاء الذي ظهر به الشاعران؛ أسلوبٌ اتسم بالسلاسة والعفوية الذي هو الأقرب لأفئدة الحضور رغم قلتهم.
ففي قصيدته التي حملت عنوان (متواليات سيرةٍ منكسرة) قرأ الشاعر "أحمد العباسي": «عبثاً..! أنبشُ اليوم ذاكرتي المُنهكة.. جسدي والمسافاتُ موجعةٌ والحقائبُ تعويذةٌ من نكد.. لا مداخل قهري تفاتحني باليقين.. لا منافذ شيخوختي لا هوى يعبرُ الضفة المهلكة.. يقذفُ النفس من برزخٍ باردٍ قد يُحوّلني حجراً أتساءل في لحظةٍ.. كيف جاء الحمامُ يُحلّقُ مُنكسراً فوق أعشاب روحي..؟».
شكوى البخور دخان؛ عطرهُ قلقُ.. كشاعرٍ في جلالِ الليل يحترقُ.. ظنونه تتلوى حولهُ؛ يتلاشى؛ ينتشي وهو في الأجواء ينعتقُ..
وجاء "العباسي" في قصيدته (ريحانة الاشتهاء) ليخاطب حبيبته الافتراضية رغم المسافات الوهمية التي تفصل بين روح الشاعر ومحبوبته في عالمٍ لا مرئي وصوتٍ لا يرد سوى صدىً مُرعب؛ حيث قال: «على بُعد عشقٍ طويل تراءيتِ بين شعاب الصدى ومرايا الغمامِ.. تراءيتِ ثم تصادى رغيفُ صوتكِ في سقف عيني.. وفاض البهاءُ رهاماً بكل التخوم..!».
أما الشاعر الشاب "خالد القادري" وعبر قصيدته (مهب الريح) حلّقَ بحبه بعيداً إلى سماءٍ تعجُّ بالعشاق حيث الحب والدفء بين أحضان الطبيعة الربانية التي تُشبه حبيبة الشاعر وجعل من نفسه لهباً من شدة ولعه بمن تُحب؛ يقول: «لستُ أدري عندما تأخذني إغماضةٌ وسنى بجفنيكِ وتنأى.. ما الذي يحدثُ من حولي.. فأغمى زمناً أو ربما أسقطُ في أرضي شهيدا.. غير أني؛ يُخبروني؛ بعد أن أصحو أني صرتُ عصفوراً وحلّقتُ بعيداً.. يُخبروني بعد لُقيا بيننا أن الهوى فصلُ شتاءٍ وبأن الشوق نارٌ فعلى جفنيكِ آثارُ لهب.. وبأني كنتُ في موقدِ عينيكِ حطب..».
أما في قصيدته (بَخور) فينعي الشاعر نفسه بعد أن تحوّلت كل آماله وآلامه إلى دخانٍ يتصاعد فوق روحهِ الهائمة؛ يقول: «شكوى البخور دخان؛ عطرهُ قلقُ.. كشاعرٍ في جلالِ الليل يحترقُ.. ظنونه تتلوى حولهُ؛ يتلاشى؛ ينتشي وهو في الأجواء ينعتقُ..».
تلت الأمسية قراءات نقدية من عددٍ من الحضور حول قصائد الشاعرَين؛ فيقول الأستاذ "خالص مسوّر": «كانت الصور الشاعرية جيدة وحداثية؛ فقد استطاع كل من "العباسي" و"القادري" أن يوظّفا الكلمة في مكانها المناسب والأنسب للصورة الشعرية؛ وقد استخدما الضمير المخاطب في كل قصائدهما وباعتقادي أن كلاهما لديه شيء من الاعتزاز والثقة بالنفس».
بينما كانت رؤية الأستاذ "بهزات حسين" مختلفة من خلال ما قاله: «لا أدري إن كنت جائعاً هل سأختار رغيف خبز أم سأكتب قصيدة؟ وعندما أكون شاعراً لا أدري هل سأنتظر المصائب لأكتب شعراً أم فلتمت المصائب وليمت الشعر معه؟؟ فإذا كان الشعر مبنياً على المصائب والأحزان فلتمت إذاً تلك الأحزان والمصائب وليمت الشعر معهما، دعوتي العاطفية لشعرائنا أن يكتبوا بنَفَسٍ تفاؤلي ليس غير ذلك».
أما الأستاذ "جوزيف أنطي" فقال: «أراد كل شاعر أن ينقل الصورة التي تحيط به؛ وإن دلّ هذا على شيء إنما يدلّ على صدق التجربة عنده، لذلك فعندما يكون الشعر صادقاً سيكون مرآةً صادقة للمجتمع، فليس بالضرورة أن يحيا الإنسان بالخبز وليس بالضرورة أن يكون جائعاً للخبز والماء؛ لأنه قد يكون جائعاً للمعرفة والتجربةِ في هذه الحياة، وأثني على أداء الشاعرين لأنهما استطاعا توظيف اللغة والإحساس والواقع أفضل توظيف وهذا هو الشعر».
