في مناطق المشرق العربي القديم نشأت الحضارات التي تجلت بأسبقيتها في التعرف على بواكير مغامرات العقل البشري المكتمل النمو، فشهدت هذه المنطقة بداية تكون التجمعات البشرية التي بدورها تطورت لتشكل قرى ومن ثمّ مدناً.
وتعد الأختام من أهم علامات التطور الحضاري، وظهرت عدة أشكال، منها ما يسمى "الختم" الذي يمنح صاحبه هوية خاصة به، أو لنقل بطاقة تعريف تدل عليه، وقد بدأ العمل في هذه الأختام منذ العصور القديمة.
استخدم الإنسان في تلك الفترة "المثقب الكروي" و"المثقب المدبب" وكذلك أدوات "السّن" و"الجلخ" والتي كانت معروفة في ذلك العصر
لمعرفة المزيد حول "الأختام الأسطوانية" موقع eSyria التقى الباحث والمجاز في التاريخ الأستاذ "نزار كحلة" ليزودنا بمعلومات وافية تحيط بهذا "الختم" الأسطواني، والذي قال عنه: «مع تطور العلاقة في المجتمعات، ولضمان سلامة موادهم التجارية من الغش والعبث أو التبديل، عمل العقل الإنساني على ما يسمى "الختم" والذي استخدم كمهر توسم به البضائع، فكانت تطبع على السدادات الطينية التي تغطي الجرار الفخارية الحاوية على البضاعة المتاجر بها، وكانت أولى هذه الأختام مسطحة الشكل والتي ينسب اختراعها إلى بلاد الرافدين، ولربما وجدت أيضاً في بلاد الشام».
ويتابع: «لقد عثر في موقع "تل حسونة" على بعد /35 كم/ جنوبي "الموصل" على أختام مسطحة تعود إلى الفترة ما بين/ 5800- 5500 ق.م/ وهي عبارة عن أقراص حجرية وفخارية منها المثقوب، ويستعمل الثقب لتعليقه في الرقبة، كذلك عثر على أختام مسطحة ما بين/ 5600- 5000 ق.م/ تعود إلى ما يسمى ثقافة "سامراء"، ويعتبر هذا النوع من الأختام بدائي الشكل لما تم من تطور عليها لتصبح أسطوانية الشكل».
كيف يكون الختم الأسطواني، وما أبعاده؟ يقول الأستاذ "نزار": «هو قطعة اسطوانية من حجر يتراوح طولها ما بين /4- 8 سم/ وقطرها نصف طولها، وهو مثقوب على طول محورها ليدخل فيه خيط بغية تعليقه، وينقش على سطحه الخارجي أشكالاً مختلفة "حيوانات- نباتات- مشاهد دينية- حربية- وفيما بعد كتابية"، ويكون بشكل معكوس وغائر لتظهر طبيعية عند دحرجة هذا الختم فوق الطين الطري».
ويتحدث الأستاذ "نزار" عن أهمية هذه الأختام وما يمكن أن تمثله فيقول: «تمثل هذه الأختام دفتراً هاماً لقراءة الحضارة الإنسانية قبل اكتشاف الكتابة لما تحويه من مشاهد وصور وأفكار هامة سبقت اختراع الكتابة».
فيما تحدث عن الفكرة التي أوجدت هذه الأختام، فيقول: «يعتقد أن فكرة الختم الأسطواني استمدت من مشاهدة عجلات العربات التي تحمل في أطرافها بروزات معينة تطبعها على الطين حينما تسير عليه لتترك أثراً واضحاً بعد جفافها، وكانت الفكرة الأساسية من تطوير الختم المسطح إلى أسطواني هو زيادة مساحة الختم المطبوع، حيث إن مساحة الختم المسطح لا تتجاوز /2 سم/ في حين تزيد بكثير عند استخدام الختم الأسطواني».
وعن أماكن انتشار الأختام الأسطوانية يقول: «انتشارها الأول كان في بلاد النهرين وبلاد الشام وكذلك الخليج العربي، والجزيرة العربية، وأعالي مصر، ويعتقد الآثاريون والمؤرخون أن أول ظهور للأختام الأسطوانية يعود إلى حوالي/ 3500 ق.م/ وربما إلى /5500 ق.م/، فقد ظهر هذا الاختراع لأول مرة في السويّتين /4- 5/ في "أوروك" وذلك في بداية عصر الكتابة، حيث حل الختم الأسطواني تدريجياً مكان المسطح».
وعن المواد التي يصنع منها الختم الأسطواني، يقول: «في النصف الأول من الألف الثالثة قبل الميلاد كان الناس يفضلون أنواعاً هشة من الحجارة "كلسية- السيتاتيت- حجر الحية /السربانتين/- اللازورد- لبّ القواقع البحرية، لكن في الثلث الأخير من الألف الثالث لجأ الإنسان إلى استخدام المواد القاسية مثل: "الهيماتيت- العقيق اليماني الأحمر- الكريستال الصخري" وغيرها، ونادراً ما تم اللجوء إلى الأختام المصنوعة من المعادن والذهب بسبب ندرتها، وتم الابتعاد عن الأخشاب لعدم ديمومتها وتعرضها للفناء عبر الزمن الطويل، ونادراً ما وجدت أختام مصنوعة من الزجاج أو "الأوبسيديان"».
ويضيف حول كيفية صناعة هذه الأختام، فيقول: «استخدم الإنسان في تلك الفترة "المثقب الكروي" و"المثقب المدبب" وكذلك أدوات "السّن" و"الجلخ" والتي كانت معروفة في ذلك العصر».
لكن من كان يستخدم هذه الأختام؟ يقول الأستاذ "نزار كحلة": «أكدت المكتشفات الأثرية أن أول من استخدمها هي المؤسسات الدينية خاصة في فترة "دولة المعبد" اي في زمن كان "المعبد" مركزاً لقيادة الدولة. ومع بروز السلطة المدنية ممثلة بقصر الحاكم أصبح الختم يستخدم من قبل الملوك وكبار الموظفين، والكتبة، إلى بعض الأفراد من ذوي النفوذ والملكيات الخاصة، وذلك في الألف الثالث قبل الميلاد».
ويضيف: «لكن استخدام الختم الأسطواني شاع وانتشر في الألف الثاني قبل الميلاد، وانتشر بشكل كبير في الألف الأول قبل الميلاد، لعل كلام "هيرودوت" المؤرخ اليوناني يصف ما كان من كثرة الأختام في العراق قوله عن سكان "بابل": / كل منهم كان له ختم يتدلى من منطقه/، ولكن الختم كان حكراً على الرجال ولا يسمح للنساء باستخدامه، وكذلك منع على العبيد والفقراء والأتباع باستثناء بعض الحالات، فمثلاً وصلنا أن بعض النساء في مملكة "ماري" كنّ يستخدمن الخاتم وعلى رأسهن "شيبتو" زوجة "زمري ليم" آخر حكام "مملكة ماري" في النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد».
ويأتي سؤالنا حول اهتمامنا بدراسة هذه الأختام والحديث عنها، فيقول الأستاذ "نزار": «ببساطة يمكن اعتبارها مصدراً هاماً من مصادر التاريخ الإنساني خاصة في مرحلة ما قبل اختراع الكتابة، كذلك لما حوته من صور ورمزاً وإشارات تعطي معلومات وأفكاراً عن حياة الناس إبان صناعة هذه الأختام».
ويتابع: «من خلال هذه الأختام تعرفنا على الكثير من المعتقدات الدينية، والطقوس، وأسماء الآلهة وأنواعها، ومكانتهم، وكذلك الكثير من الأساطير المنتشرة، وصوراً عن الحياة الاجتماعية: /الملابس- صور الحكام الذين حكموا- أنواع البضائع المتداولة- مشاهد حربية- أنواع العربات والأسلحة المستخدمة/ والكثير عن الفكر الجمعي للإنسان- وضع المرأة في التاريخ من خلال ظهورها إلى جانب الملوك تارة، ومنعزلة تارة أخرى، فكثيراً ما كانت تتسلم مقاليد الحكم والسلطة وفي مواقف مختلفة».
ويختم: «يبقى القول إن الأختام الأسطوانية تمثل صورة حضارية راقية متطورة في أغوار التاريخ البشري، ولأهميتها أصبح لها فروعاً خاصة تدرّس فيها، فكانت المصدر الأساسي والهام في أي دراسة للمشرق العربي القديم ميثولوجياُ واجتماعياً وعقائدياً، فكرياً وسياسياً، وكذلك اقتصادياً».
من ثم انتقلنا لقراءة بعض هذه الأختام، لذلك التقينا الأستاذ "غسان قدور" الباحث والمجاز في التاريخ، فيقول: «هناك ختم اسطواني من مدينة "أورUR" من فترة السلالات الباكرة الثانية ثوران مضطجعان بشكل مقابل الآخر وبينهما نبتة ثلاثية ويحميهم أشخاص إنسانيون من أي اعتداء من النسور ثيران إيل، وتيس جبلي تحتهم، وهي تتصف بالدقة والمهارة الفنية، وكذلك تناولت الأختام الأسطوانية مواضيع شعبية كالأم التي ترضع طفلها وهي ترتدي ملابس طويلة وتجلس على كرسي وقد ضم "متحف اللوفر" في "باريس" وآخر يتمثل في رجل يحمل ماعزاً بشكل منحوت وجميل».
ويضيف: «نشاهد في الأختام عبارة عن حدث يدل على مشاهد ففي أحدها نجد "معاز" راكضة وقد أدارت رؤوسها إلى الخلف، وقد رسمت قرونها طويلة ومزركشة لتناسب المنظر ويرجع تاريخ هذا الختم إلى العام 2800 ق.م. أما الآخر فهو عبارة عن مجموعة مقدسة مجتمعة حول شجرة مقدسة تعلو فوق جبل رجل ثور وبطل ثور كل يمسك بذيل ثور ويدفع ثوره بخنجر ويرجع تاريخه إلى العام 2300 ق.م».
ويشرح محتويات أحد الأختام فيقول: «يوجد ختم اسطواني يعود للعام 3300 ق.م أو قبل ذلك بقليل ويظهر فيه ملك أو كاهن يحمل وروداً مقدسة يقدمها لشياه ذوات آذان طويلة وأذناب، وخلفه رموز الآلهة "إينانا"».
وقد جاء الختم ليسجل الحدث وكأنه صحيفة يومية ينشر فيها ما يمكن أن يظهر أفعال وأنشطة الآلهة أو الكهنة، وكذلك لا ينسى تصوير القوة التي تتمتع بها هذه الآلهة، ويتابع: «يوجد ختم يظهر "إلهاً" جالساً يتقبل الهدايا من ربات متعبدات بينهما يظهر قزم في وضع القرفصاء، والنقش المحفور في حال رديئة ما جعل الأشخاص يبدون بحالة سيئة».
ويضيف: «تحتوي هذه الأختام براعة وتفاصيل رائعة ووفرة مدهشة من النقوش، ففي أحدها نجد مالك الختم متقدماً من الإله "شمش" والإلهة "عشتار" وسط واقع أسطوري أنها عناصر "رافدينية" نموذجية من الماعز المنتصب المتناظر وفي أعلاها نشاهد بقرة مع عجلها الرضيع».
ومن الاستخدامات الأخرى للأختام أنها استعملت بهيئة "حروز" لغايات سحرية ودينية. ولو دققنا في ظاهرة الختم لوجدنا أنها تختص بشخص معين يضع عليه اسمه واسم أبيه وكذلك المهنة التي يمتهنها، ومن الطرائف أن نهاية الختم تكون بموت صاحبه فهو يدفن معه كما الإبهام توارى الثرى لما يموت صاحبها.
