سجلت، وما زالت تسجل هذه المدينة أنها تضم بين ظهرانيها الكثير من التحف النادرة، والآثار الملفتة، و"سلمية" ليست فقط للشعراء، فكذلك التاريخ مسكون فيها، ولأنها من أقدم المدن العامرة، وإن تعرضت إلى الدمار في مرات عديدة، لكنها أبت وتأبى أن تبقى رهينة الخراب، وفي كل فترة نكتشف معلماً أثرياً فيها، ونحن اليوم نتحدث عن "تل الحمصي".

موقع eSyria التقى الأستاذ، والأثري "أمين قداحة" يوم الخميس 15 تشرين الأول 2009، وهو الباحث في شؤون الآثار، ورئيس لجنة الآثار في "جمعية العاديات في سلمية" ليحدثنا عن هذا التل الذي دعا وجوده لتغيير مسار طريق الرقة الدولي.

تم اكتشاف مدفنين عائدين لطفلين من الفترة المذكورة البيزنطية، ومن المكتشفات التي تم العثور عليها مؤخراً بعض الدمى الطينية الصغيرة وبعض التقالات المستخدمة في صناعة النسيج

فبدأ حديثه عن أهمية المنطقة الوسطى، وغناها بالمواقع الأثرية، فقال: «إن المناطق التي تقع شرقي نهر العاصي كانت تتحكم بطرق التجارة الداخلية لبلاد الشام، حيث كانت "حماة" تقع على تقاطع طريقين هامين وأساسيين من طرق التجارة في /الألف الأول ق.م/، وكان الطريق الأول يصل شمال ـ غرب سورية والأناضول مع جنوب بلاد الشام مروراً بـ"حلب"، و"حماة"، أما الطريق الثاني فكان يصل بين الساحل والداخل عبر فتحة "حمص" مروراً بـ"حماة"، و"سلمية" و"تدمر" وصولاً إلى "نهر الفرات"، وكانت هذه الطريق هي السبب المباشر لنشوء موقع "تل الحمصي" في الربع الأول من الألف الأول ق.م، وازدهار عدد كبير من المواقع الأخرى المحيطة بمنطقة "سلمية"، وذلك بتطور مدينة "حماة" التي غدت عاصمة "المملكة الآرامية" التي نشأت فيها».

السيد "أمين قداحة"

وسألناه عن المنطقة التي يقع فيها "تل الحمصي" فقال: «يقع "تل الحمصي" على بعد 27 كم إلى الشرق من "حماة" على الطريق الواصلة إلى "سلمية"، عند أقدام جبل "عين الزرقا" من الجنوب حيث آخر سلسلة "جبال العلا" من الجنوب مطلاً على السهل الفسيح الذي يمتد جنوباً وشرقاً وقد كان غنياً بالينابيع والمياه».

وعن أهمية الموقع قال: «إن طبيعة الجبال التي تحد الموقع من الشمال مشكلّةً حاجزاً طبيعياً يجعل العبور فيها أقل أمناً كما أن السهل الممتلئ بالمياه يشكل عقبة أمام القوافل والمسافرين من "حماة" وإليها من جهة الشرق، وقد جعل هذان العائقان الطبيعيان خيارات العبور في هذه المنطقة محدودة جداً، وكان الخيار الأفضل أن تمر الطريق على طرف أقدام الجبل من الجنوب».

هيكل عظمي لطفل يعود إلى الفترة البيزنطية

وعن العوامل التي دعت لوجود مثل هذا الموقع، قال: «لعب معدل الأمطار السنوي في المنطقة دوراً مهماً في اختيار هذا المكان لإنشاء موقع إداري، لأن معدل الأمطار السنوي فيها يتراوح بين/ 300 – 325 مم/ سنوياً، الأمر الذي يجعل هذا المكان واقعاً على أطراف البادية، فهذه المنطقة هي بوابة العبور للقادمين من الغرب حيث تمتد إلى الشرق منها السهول الممتلئة بالقطعان، وهي في الوقت عينه تشكل التجمعات الحضرية الأولى التي يصادفها البدو القادمون من الشرق».

وسألناه عن مساحة هذا التل الأثري، فقال: «يشكل "تل الحمصي" دائرة قطرها /120م/، وارتفاعها الأعظمي /7 م/ عن سطح الأرض الطبيعية المحيطة، فحجم التل صغير نسبياً مقارنة بالتلال الكبيرة القريبة منه، وإن حجمه الصغير قد لا يوحي بأهميته، ولكن طبيعة المكتشفات، والمنشآت التي ظهرت أثناء عمليات التنقيب أكسبت هذا الموقع أهمية كبيرة».

اهتمام من جمعية العاديات بهذا التل

وعن طبيعة الموقع حدثنا الأستاذ "أمين قداحة" قائلاً: «يطغى على الموقع الصفة الإدارية، ويظهر ذلك من خلال طبيعة المنشآت التي تم الكشف عنها خلال مواسم التنقيب التي أجرتها المديرية العامة للآثار والمتاحف بدءاً من العام /2004/ وحتى يومنا هذا، والتي كشفت عن استمرار السكن، والاستعمال طوال الألف الأول ق.م ورفعت النقاب عن تتالي الفترات التاريخية التي تعاقبت عليه».

وهنا سألناه عن هذه المراحل، فأجاب قائلاً: «المرحلة الأولى: الفترة الآرامية في القرن / 9 – 8 ق.م/، وفيها كشف عن القصر الذي يعتبر نسخة مصغرة عن "قصر حماة الآرامي". ـ المرحلة الثانية: الفترة الآشورية الحديثة ـ والفترة البابلية الحديثة في القرن/ 7 – 6 ق.م/، وقد تم الكشف فيها عن ثلاث منشآت دائرية معدة لحفظ وتخزين الحبوب. ـ المرحلة الثالثة: الفترة الفارسية من/ 539 ـ 331 ق.م/، وهذه الفترة لم تكن تأثيراتها كبيرة على الموقع مع أنه تم الكشف عن المعدات التي تخص صناعة النسيج والتي تم تأريخها إلى فترة القرن الخامس والرابع ق.م . - المرحلة الرابعة: الفترة الهلنستية /331 ـ 64 ق.م/. ـ المرحلة الخامسة: الفترة الرومانية المبكرة/ 64 ق.م/ وحتى منتصف القرن الأول الميلادي».

وعن أهم اللقى الأثرية التي تم الكشف عنها منذ بدء العمل به في العام 2004 يقول الأستاذ "أمين": «تم اكتشاف مدفنين عائدين لطفلين من الفترة المذكورة البيزنطية، ومن المكتشفات التي تم العثور عليها مؤخراً بعض الدمى الطينية الصغيرة وبعض التقالات المستخدمة في صناعة النسيج».

وتحدث عن الدور الذي تقوم به "جمعية العاديات" خاصة لجنة الآثار التي يرأسها، فقال: «انطلاقاً من اهتمامها ومن صلب مهامها والغاية التي أنشئت من أجلها جمعية العاديات، وهي الاهتمام بالآثار، والحفاظ عليها والتعريف بها في مدينة "سلمية" ومحيطها، تقوم لجنة الآثار في جمعية العاديات ـ سلمية، بزيارات ميدانية إلى المواقع الأثرية بشكل عام».

والجدير ذكره أن السيد "أمين محمد قداحة" هو من مواليد "سلمية" في العام /1979/، حاصل على إجازة في الآداب قسم التاريخ، ودبلوم آثار، عضو جمعية العاديات في "سلمية" ورئيس لجنة الآثار فيها. كما أنه مدرس لمادة التاريخ في منطقة "عين عرب" التابعة لمحافظة "حلب".