ربما هي مخاطرة أن يقوم مطعم ما بمنع ما هو أكثر المظاهر انتشاراً في الحفلات الساهرة، وهو التدخين، لكنّ حبَّ المبادرة بالإضافة إلى القناعة الشخصية كانا سبباً في دفع إدارة مطعم "سهار" على الاستجابة لرغبة الكثيرين بحضور سهرات يتمتعون فيها بحقهم الطبيعي في استنشاق هواء نظيف، الحق الذي كان قد سلب منهم مراراً وتكراراً في أي مطعم حطت فيه أقدامهم، فكانت هذه الاستجابة أن أعلن المطعم عن حفلة عشاء ساهرة وصاخبة ونظيفة كلياً... "بس" من دون التدخين.

eSyria كان ممن استجابوا لفكرة الحفلة حيث أننا كنا من أول المتواجدين هناك لنلتقي السيد "يحيى شاهين" مدير مطعم "سهار"، والذي تحدث لنا عن مبادرته بإقامة حفلة كهذه فقال: «لمرات عديدة كان مطعم "سهار" مكاناً تقام فيه نشاطات البرنامج الصحي في "مؤسسة الآغا خان" والتي كانت معظمها تتناول موضوع التدخين والحد منه، فطرح مطعم "سهار" فكرة إقامة حفلة ساهرة تكون خالية تماماً من كل مظاهر التدخين كالسجائر والنرجيلة، الفكرة التي لاقت إعجاباً واستحساناً كبيراً لديهم ووعدونا أنهم سيروجون لهذه الحفلة بين الناس، وذلك كان لتخوفنا في إدارة المطعم من فشل هذه الفكرة، وخاصة أن الغالبية العظمى من الناس يدخنون في الحفلات، طبعاً إن لم يكن سجائراً فلا بد من "النراجيل"».

هذه الحفلة حضارية بانضباطها، فأنا ممن كانوا ينزعجون من التدخين في الحفلات عادة، وقد جئنا إلى هذا الحفلة احتفالاً بعيد ميلادي السادس عشر، فهي فالمكان في هذه اللحظة صحيّ جداً لاحتفال يخصني

وأضاف متابعاً: «ثم تشجعنا وأعلنّا عن هذه الحفلة الساهرة باسم مطعم "سهار" وقد ساهم الموظفون في "مؤسسة الآغا خان" مشكورين بالترويج لهذه الحفلة بين الناس، حتى أنهم حجزوا لأنفسهم ولأقاربهم قرابة 120 كرسياً من أصل 270، واليوم تقام الحفلة الساهرة الخالية من التدخين، ويحييها الفنان "أحمد خلف" القادم من "مصياف"، وبذلك صار يمكننا اعتبارها بالفكرة الناجحة».

السيد "يحيى شاهين"

عندما يكون هناك مخاوف من مشروع كهذا، لا بد أن تتغلب عليها بعض القناعات والتوجهات التي يتميز بها أشخاص مثل السيد "يحيى شاهين"، والذي تحدث في هذا الموضوع قائلاً: «أنا دائماً أحب المبادرة حتى لو لم أربح، وفي هذه المرة قلت أنني في كل الأحوال لن أخسر شيئاً ثم بادرت، والنتيجة أنني ربحت، ولكن مبادرتي في الأساس كانت من مبدأ أن حفلة كهذه ستكون فرصة يختبر فيها المدخنون قدرتهم على الامتناع عن التدخين، وبالتالي قد تدفعهم إلى النجاح في الإقلاع عنه نهائياً يوماً ما، والظاهر أنهم بحاجة لمن يشجعهم على ذلك والدليل أنهم جاؤوا إلى هذه الحفلة ولم يذهبوا إلى حفلات أخرى تسمح بالتدخين».

وفي كلمة أخيرة ضَمّنها رسالته من هذه الحفلة قال السيد "شاهين": «التدخين حالة سلبية تؤدي بالأشخاص إلى ما يعرف بالإدمان، و"الإدمان" يقود البعض منهم لفني أنفسهم وبأي عمل كان بحثاً عن ثمن لسيجارة، وهنا لن نتحدث عما هو أسوأ من ذلك في حالات أخطر من تدخين السجائر، لأنه أقل حالات الإدمان سوءاً، لأنه مقبول اجتماعياً، لكنه يؤسس لما هو أخطر، كالتوجه إلى تعاطي المخدرات، الشيء الذي يمكننا أن نتجنبه إذا لم نتقبل الدخان أساساً في مجتمعنا، كما لا نتقبله في هذه الحفلة».

د."حسن خنسة"

أيضاً كان لنا لقاء مع الدكتور "حسن سيفو" من البرنامج الصحي في "مؤسسة الآغا خان"، والذي كان في الحفلة بصفته الشخصية لا الرسمية، وقد تحدث عن دعمه وزملائه لهذه الحفلة فقال: «نحن في مؤسستنا كنا ومازلنا نقوم بحملات مستمرة لتنظيف المنازل من سموم التدخين، وفي هذا العام توسع نشاطنا ليشمل المدارس والمراكز الصحية، ثم جاءت اليوم هذه الحفلة التي يقيمها مطعم "سهار" كمبادرة شخصية من إدارته، ونحن قمنا بشكل عفوي بدعم هذه الفكرة والترويج لها بصفتنا الشخصية، لكي ندفع إدارة المطعم لتتغلب على مخاوفها التي أسرّت بها الإدارة خشية عدم نجاح هذه المبادرة، وما نجده اليوم يؤكد أن الفكرة نجحت، لكنها بحاجة إلى متابعة دائمة وحثيثة، علّنا نؤسس لأجواء مجتمعية خالية من أي ملوث».

وعن أهمية هذه المبادرة قال: «ربما جاءت هذه الفكرة لتكتسب أهميتها كونها تنصف غير المدخنين، فكما يحق لمحبي تدخين السيجارة خاصة في الحفلات الكبيرة، والتي وحسب رأيهم تستدعي هذه العادة بأكثر حالاتها، فوجدنا أن المنطق يدفع بنا أن ينعم المقلع عن التدخين، أو الأشخاص الذين لم يعتادوا عليها بحفلات خالية تماماً منه، كما أن هذه الفكرة يمكن أن تدفع جميع أصحاب الفعاليات الأخرى إلى إقامة نشاطات متنوعة خالية من التدخين».

د."جون تومور" وعلى يمينه"د."ماهر أبو ميالة"

الدكتور "جون تومور" وهو أميركي الجنسية ومقيم في "جنيف" في سويسرا، حيث يشغل منصب مديراً للبرنامج الصحي في "مؤسسة الآغا خان"، وكان ممن شاء نصيبنا أن نتحدث معه عن رأيه بفكرة الحفلة التي استغل زيارته لسورية للمشاركة فيها فقال: «هذه المبادرة مهمة جداً لمجتمع "سلمية" الذي يعاني نسبة عالية من انتشار التدخين وتأثيره على غير المدخنين أيضاً، لذلك فإن مشاركتي جاءت لدعم هذه المبادرة، ويجب هنا الاستفادة من هذه التجربة بالنسبة لأصحاب المطاعم الذين يخشون من تأثير عدم التدخين على أرباحهم، فمن الواضح أن هناك جمهوراً واسعاً يتطلع إلى أجواء نظيفة من التدخين».

وعن الإجراءات المتبعة لمحاربة التدخين في بلده قال: «في سويسرا حيث أعيش، تم استفتاء الناس على منع التدخين في الأماكن العامة، بما فيها المطاعم، ولقد صوّت الناس مع هذا القانون وأصبح ساري المفعول، والكثير من المطاعم الآن تشعر بفوائد ذلك بما فيها التقليل من نفقات الصيانة والتنظيف من آثار التدخين».

المهندس "هاشم الجندي" رئيس دائرة زراعة "سلمية"، عبّر عن موقفه الداعم للحفلة لكونه أحد المقلعين عن التدخين، فقال: «الفكرة ممتازة جداً لتسويق الامتناع عن التدخين في الأماكن العامة، وتشجيع المجتمع على ممارسة نشاطات الفرح دون أي شكل من أشكال التدخين، فأنا ممن اقتنعوا بمضاره حتى أقلعت عنه تماماً منذ خمس سنواتٍ تقريباً، وبالنسبة للمدخنين أعتقد أنهم سيتقبلون الأمر مادام الوسط المحيط بهم ملتزمٌ الابتعاد عن التدخين».

المهندس "رفعت الخطيب" رئيس مركز البحوث الزراعية في "سلمية" وهو أحد المدخنين أوضح لنا وجهة نظره كمدخن من هذه الحفلة حين قال: «حفلة كهذه تؤمن فرصة يختبر فيها المرء إمكانياته على تحمل الامتناع على التدخين، وهي تساعد بذلك المدخنين الذي ينوون الإقلاع عن ذلك أن يبدؤوا بخطوات عملية لذلك، وهي أيضاً تشجيعٌ معنويٌ لغير المدخنين».

السيد "برهان زيدان" وهو من "المدخنين" اعتبر أن حفلة كهذه تعبر عن مستوى فكري راقٍ، فقال: «ربما لا تناسبني حفلة كهذه كوني من المدخنين، لكن المهم فيها الأجواء التي تسيطر عليها، فهي التي تدفعني للحضور، وليس التدخين، كما أن زوجتي قد وضعت مولوداً منذ فترة قصيرة، فلولا أن هذه الحفلة خالية من التدخين لما كان بإمكاني إحضارها وولدي إليها، أي إن حفلة من هذا النوع هي فرصة لأمثالها كي يعيشوا أجواء الحفلات التي كان يُخشى حضورها بسبب الدخان، ولو كان كل الناس يقدرون مستوى التفكير العالي في إقامة حفلة كهذه لما كان هناك مدخنين أصلاً».

"إبراهيم قطلبي" شاب في مقتبل العمر كان من المعجبين بهذه الحفلة عندما قال: «هذه الحفلة حضارية بانضباطها، فأنا ممن كانوا ينزعجون من التدخين في الحفلات عادة، وقد جئنا إلى هذا الحفلة احتفالاً بعيد ميلادي السادس عشر، فهي فالمكان في هذه اللحظة صحيّ جداً لاحتفال يخصني».

في النهاية لا يسعنا في مشروع مدونة وطن إلا أن نقدم كل الشكر والثناء لإدارة مطعم "سهار" على مبادرتها المميزة، ولكل من دعم الحفلة وشارك فيها، آملين أن نصل إلى يوم نحتذي فيه بالتجارب الناجحة بمنع التدخين نهائياً في جميع الأماكن العامة، فالذين كانوا هنا اليوم يثبتون أننا قادرون أن نصل إلى هذا المستوى الحضاري، فهلاّ ثابر "سهار" على هذا المنوال، أم أنها ليلة واحدة فقط؟ الأهم في الأمر هو الاستمرارية، لا البحث عن مكان واحد لحدث نتحدث عنه فقط لأننا يجب أن نتناوله بطريقتنا الانفعالية، نريده فعلاً فاعلاً، دائماً، مستمراً.