عندما تتعدد الاهتمامات، وتتنوع مجالات الإبداع، وتمتد آفاق العمل والعطاء، وعندما يستطيع المبدع أن يوازن بين هذه الاهتمامات، ويبدع في كُلّ منها على حدة، فلا شك في أنه يعيش ليبدع أولاً، ويعيش ليبدع ثانياً. "ريم محمد" القادمة من فضاءات النقد المسرحي الفسيحة، والمتخصصة في الإضاءة المسرحية في "دار الأسد للثقافة والفنون"، خاضت تجارب كثيرة، وواصلت العمل ليلاً نهاراً، وفي مدة شبه قصيرة أصبح رصيدها في العمل المسرحي مميزاً كمّاً ونوعاً.

موقع eSyria التقى مصممة الإضاءة المسرحية "ريم محمد" التي حدثتنا عن جوانب عديدة من تجربتها في العمل المسرحي، ابتدأتها بحديثها عن رسالة تخرّجها في "قسم الدراسات المسرحية" في "المعهد العالي للفنون المسرحية": «كانت رسالة التخرج بعنوان: "الشخصيات الشرقية عند شكسبير"، تحت إشراف "د. جمال شحيد"، قمت بالبحث من خلال أربع مسرحيات للمؤلف "شكسبير"، منها: "كليوبترا"، و"عطيل"، لم أستعن بدراسات سابقة كُتِبتْ حول البحث، إلا أنني اطلعت مثلاً على وضع التبادل التجاري بين الشرق والغرب في تلك الفترة، وكيف كانت نظرة الغرب إلى الشرق، وحاولت أن أبين مقدار تأثر "شكسبير" بالنظرة السائدة حول الشرق، وقد تجلت هذه النظرة مثلاً في شخصية "عطيل" القاتل المثالي».

لا تزال العروض أمامي مفتوحة، والمشاريع قادمة، وبالتأكيد أنا أتطور، ولا أقف في مكاني

وعن "قسم الدراسات المسرحية" وما يقدمه إلى الطلاب وإلى الحركة المسرحية في سورية، قالت "ريم محمد": «على المستوى الأكاديمي يقدم المعرفة عموماً، والمعرفة بالمسرح خصوصاً، وقد أُتيحَ لي فيه على سبيل المثال أن أقرأ كماً كبيراً من المسرحيات والكتب الأكاديمية المهمة، وأن أطلع على تاريخ المسرح منذ ولادته وحتى الآن، وأن أقارن، وأحلل، وأشاهد العرض المسرحي بطريقة مختلفة».

أثناء العمل

وأضافت: «الحد الأدنى أن يقدم "قسم الدراسات المسرحية" ناقداً مسرحياً، يستطيع أن ينظر إلى العمل المسرحي نظرةً نقدية، ويحلله من كافة عناصره. أما ما يقدمه إلى الحركة المسرحية في سورية، فعلى سبيل المثال، في "دار الأوبرا" حالياً ما لا يقل عن خمسة خريجين في النقد المسرحي يعملون في مختلف التخصصات، ويؤدون عملهم بطريقة مختلفة تماماً، وعموماً نجد من خريجي النقد المسرحي، الناقد المسرحي، والكاتب المسرحي، ومساعد المخرج، والمخرج، والتقني، والممثل أيضاً».

وحيث كثيراً ما سلطت أضواءها عليه سألناها عن المسرح في سورية فقالت: «لا أظن أن الحركة المسرحية في سورية نشيطة حالياً كما كانت في التسعينيات وبدايات عام 2000، إن كثيراً من العروض التي قُدِّمَتْ في تلك المرحلة كان مميزاً، أما حالياً فالمؤشرات غير مبشرة».

أحد العروض التي أشرفت على إضاءتها

ولدى سؤالها عن الأسباب، أجابت: «تقييم العروض، اللجان التي تقبل وترفض، ضعف المعايير والمستويات، قبول أي شيء، وعمل أي شيء، كما أن هناك موجة النص العاميّ المحليّ، فالعمل على نصّ أجنبيّ أصبح عادةً قديمة، وحتى يُعدَّ المسرحُ الذي تقوم به مسرحاً يجب أن تعمل على نصّ محليّ عاميّ، وكل ذلك يُمَرَّرُ باسم المجيء بالجديد، ولا أظن أن الأمر له علاقة بالميزانية المالية، الأمر أبعد من ذلك».

وفيما يخص دراستها للإضاءة المسرحية قالت: «في السنة الأخيرة من دراستي، بدأت بدراسة الإضاءة، لم تكن دراسةً بالمعنى العميق، ولكننا دخلنا إلى المسرح بطريقة مختلفة، إلى الكواليس، تَعرَّفنا أجهزةَ الإضاءة، هنا شعرت بأنني أريد أن أسلك هذا الدرب، إن مهنة الإضاءة تستوجب عملاً كبيراً وحركةً وجهداً، وأنا أحبُّ هذا النوع من العمل».

وأشرفت على حفلات مارسيل خليفة

وتضيف: «بعد ذلك رُشِّحْتُ إلى بعثة لدراسة الإضاءة في مدينة "ليون" الفرنسية في نهاية عام 2002، وقبل ذلك عملت راقصة في فرقة "إنانا" حيث شاركت في مسرحية "هواجس الشام"، و"أبناء الشمس"، وسافرت مع الفرقة إلى عدة بلدان: "تونس"، "الأردن"، "لبنان"، وكانت تجربة مهمة جداً».

وتتابع قائلةً: «في "ليون" وخلال ثلاثة أشهر، تَعرَّفتُ أساسياتِ الإضاءة، أنواعَ "البروجكتورات"، كيفيةَ التركيب، وتقنياتٍ أُخرى، وبعد عودتي إلى سورية خُضتُ دورةً تدريبية في "دار الأسد للثقافة والفنون"، ثم شاركت في العمل على حفلات تجريبية قبل ستة أشهر من افتتاح الدار، ثم عملت في الدار في "شعبة الإضاءة"، وفي عام 2005 ذهبت إلى "ليون" مجدداً، وخضعتُ لدورة جديدة، ودرستُ تصميم الإضاءة، وإنجازَ مخططات الإضاءة المسرحية، وأموراً عديدةً، وفي عام 2008 سافرت إلى "لندن" لتعلم "الإنكليزية"، ولكنني عملت في الإضاءة من خلال ثلاثة عروض مسرحية، حيث اطلعت على منطق العمل هناك».

وعن أهمية الإضاءة وتأثيرها في الفعل المسرحي والتلقي، تقول "ريم محمد": «لكل شكل مسرحي طرحٌ مُعيّنٌ في الإضاءة، فلا يمكن أن نضيء لعرض موسيقا كلاسيكية، كما نضيء لعرض موسيقا "جاز"، كما نضيء لحفل غناء شرقي، كما نضيء لعرض راقص، أو عرض درامي، لكل عرض مسرحي صورةٌ في الإضاءة خاصّةٌ به، وبالتالي تُعدُّ الإضاءةُ جُزءاً من تكوين العرض المسرحي».

وحول مهمة الإضاءة الأساسية، أضافت: «مهمة الإضاءة الأساسية أن تُظهرَ الأشخاص على المسرح، وإذا لم تحقق هذه المهمة، فهناك مشكلة، كما يجب أن تكون جميلةً جذّابةً مهما تكن طبيعةُ العرض، ولها أيضاً دور يتعلق بالمعنى المسرحي، مثلاً يمكنك أن تتأمل كم لهذا الضوء أو ذاك من علاقة بالمعنى الذي يقدمه العرض، وكم يخدم هذا المعنى، وبالتالي يجب ألا يكون هناك نشاز بين مضمون المشهد وبين الإضاءة الخاصة به، ومن ثم يمكن أن تكون الإضاءة حاملاً كبيراً جداً للعرض المسرحي».

عروض مسرحية عديدة عملت فيها "ريم محمد" على تصميم الإضاءة، وعنها تقول: «من خلال عملي في "دار الأسد للثقافة والفنون" تعرفت كثيراً من الأشياء، وتطورتْ إمكانياتي في العمل، ففي "احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية" عام 2008، وفي "قلعة دمشق" عملتُ على تصميم إضاءة "مهرجان موسيقا العالم"، وإضاءة حفلات الفنان "زياد رحباني"، وحفل الفنانة "جوليا بطرس"، ثم عملت على تصميم إضاءة عرض مسرحي بعنوان: "صندوق الكار"، وقد عرض في "الصالحية" بالهواء الطلق».

وتضيف: «عملتُ أيضاً على تصميم إضاءة حفلات الفنان "مارسيل خليفة" في جولته التي شملت "حمص، واللاذقية، وحلب، ودمشق"، ثم رافقت "فرقة الميادين" مع "مارسيل خليفة" إلى "دبي"، و"فيينا"، و"الرباط"، و"فاس"، و"قرطاج"، و"بيت الدين"، و"صور"، كما قمت بتصميم إضاءة "واسطة العقد" وهو عرض مسرحي شعري راقص عُرِضَ في "دار الأسد للثقافة والفنون"، وصممتُ إضاءة عرض مسرحي للكاتب "صمويل بيكت" وإخراج "أسامة غنم" وتمثيل "محمد آل رشي" بعنوان "الشريط الأخير" عُرِضَ في "دار الأوبرا" أيضاً».

وعن عملها مع "الصندوق السوري لتنمية الريف" "جمعية الفردوس"، تحت إشراف "د. ماري إلياس"، قالت: «عملت في مشروع "المكتبة المتنقلة"، وهي حافلة بداخلها مكتبة موجهة إلى الأطفال، تتجول في القرى الحدودية بهدف ربط الأطفال بالكتاب وتشجيعهم على القراءة، كنا مجموعة من خريجي النقد المسرحي، نعمل كمنشطين مسرحيين، ننسج العلاقات مع الأطفال، ومن ثم نربطهم بالكتاب، وكان حضورنا وحده بصحبة الحافلة يجذب الأطفال، وكنا نقوم معهم بألعاب مختلفة من أجل دفعهم إلى استعارة الكتب».

وتتابع: «تطور العمل، وأصبحت هناك مجموعات أخرى يشارك فيها ممثلون، تعمل على المسرح التفاعلي، وكانت "د. ماري إلياس" تنادي بضرورة أن يُوظَّفَ المسرحُ في التنمية، ومن هنا كنا نزور أماكن معينة لأهداف معينة، فمثلاً زرنا القنيطرة، وكان موضوع المشاهد التي قُدِّمَتْ يدور حول الألغام والتحذير منها، ولا تزال المشروعات مستمرة، ومنها ما بدأ حالياً، وهو توظيف المسرح التفاعلي في المدارس».

وتختم "ريم محمد" حديثها قائلة: «لا تزال العروض أمامي مفتوحة، والمشاريع قادمة، وبالتأكيد أنا أتطور، ولا أقف في مكاني».

يُذكرُ أن مصممة الإضاءة "ريم محمد" هي من قرية "المعيصرة" إحدى قرى محافظة "حماة"، وقد وُلدتْ في الجزائر "عنابة": 2/4/1975، وتحمل إجازة في الآداب "قسم اللغة الفرنسية" "جامعة دمشق"، وإجازة في الدراسات المسرحية والنقد المسرحي من "المعهد العالي للفنون المسرحية"، خاضت عدة دورات تدريبية في الإضاءة المسرحية، والمسرح عموماً، كمسرح خيال الظل، والمسرح الشعبي، والتنشيط المسرحي، وتعمل حالياً في "دار الأسد للثقافة والفنون"، وقد شغلتْ سابقاً منصب "رئيس شعبة الإضاءة المسرحية" في الدار.