"النواهي": هنّ الحسناوات اللواتي نضجن جسمياً، وعقلياً، وصار لهن الحق في الزواج، والعشق، والتعليم كبقية النساء في هذا العالم. و"سليمان داؤد" هذا الاسم بطاقة تعريف ليس لشخص بل لجيل وذاكرة وتجربة، هو أحد قامات "الفن الشعبي" في المنطقة الوسطى، ومن الأسماء الهامة ثقافياً وشعرياً، ومن خلال دواوينه "العتابا والنواهي"، و"عطر الورد" وغيرها نصبح أمام واجب تقديره كما يليق.

موقع eHama التقى الشاعر "سليمان داؤد" الشهير بـ"أبي منهل" حيث تحدث عن تلقيه للفنون الشعبية المتنوعة في ربيع عمره فقال: «ترعرعت في بيئة شعرية أدبية وكان الكثير من الشعراء الشعبيون يتقاطرون إلى مضافة والدي "داؤد" وأنا كنت في الثالثة عشر من العمر، أجلس بينهم صامتاً وأتلقف وأحفظ ما يدور بينهم من الشعر الشعبي وعلى هذا المنوال أصبحت ملماً بالشعر الشعبي محبباً إليه سواء كان "عتابا" أو "النايل" أو "الهجيني" أو "القصيد البدوي"، ولكن الأكثر رواجاً وغناءً آنذاك هي "العتابا" التي كانت تَرِدُ إلى "سلمية" من المناطق الشرقية».

صياد صيد الحلو... وخلي السهم سداد... العمر بعدو بأولو... وحباب قلبي بعاد

يقول في إحدى "نواهيه":

النواهي ليش ع داري معدّون.. "مروا"

غلاف كتابه "النواهي والعتابا"

وليالي الهجر بفراقن معدون.. "ماحصوا"

بعيني شفت نجدلهن معدون.. "النذل"

الشاعر "سليمان داؤد"

حرام البوم يصطاد المها.

غلاف كتابه "عطر الورد"

و"النواهي" هي مطلع "العتابا" التي تتدحرج كحبات اللؤلؤ من صميم وجدانه، فأوضح: «النواهي هنّ الباكيات، هنّ من ينهين عن الفحشاء والمنكر، وكلمة "نواهي" جاءت بمعنى "تنهنهت" أي استوت، ونضجت، ويعود ذلك إلى "النُّهى" أي "العقل"».

ويقول: «أما "العتابا" فهي تعبر عن عادات وتقاليد ريفنا وربوعنا العربية، وهي من "الشعر البديعي" المتجانس المطابق الكلمة، المختلف المعنى، و"بيت العتابا" يرسم صورة أو قصة كاملة ضمن مساحة محدودة وهي أربعة أشطر شعرية، يحكمها "الجناس" في نهاية الأشطر الثلاثة الأولى، ويأتي الشطر الرابع منتهي بحرف "الياء"، أو "الألف"، أو "الباء"».

وفيما يخص تصنيفات "العتابا" فعنها يقول: «هناك "العتابا العراقية- الأبوذية"، و"العتابا الفاضلية" ومطلعها: "هَلِي" و"العتابا الصخرية- العقيلية" و"العتابا الساحلية" وتنتهي بحرف "الياء"».

وعندما حدثنا "أبو منهل" حول ارتباط "فن العتابا" بالصبغة الحزينة غالباً من حيث الأداء أو اللحن أو الكلمات وكأن العتابا صدى للواقع العربي الحزين، قال: «تخلل حياتي الكثير من الموجات المؤلمة منها ما يوحي إلى قساوة الزمن ومنها ما يوحي إلى المرأة التي تعزف على أوتار قلبي بأناملها، وبيدها كأسٌ مترعٌ بخمرة العذرية، فعندما كنت محاسباّ عند كبار المزارعين في "الجزيرة" كان احتكاكي مباشراً مع "عشائر البدو" كما أن رغبتي الجامحة التي أخذتها من خلال معاشرتي لشعراء البادية أعطتني فرصة كبيرة لتمليح قصائدي وعتاباتي بالنكهة البدوية، بالإضافة إلى اهتمامي الزائد بمطالعة وقراءة الكتب الأدبية التي تنم عن ثقافة واسعة، مما دعاني إلى كتابة الشعر المقفى الفصيح، كما كتبت النثر، ولي فيه قصائد كثيرة نشرت في صحف سورية ولبنان».

كانت "الربابة" رفيقة أهل البادية، ومؤنس وحشة ليلهم القاسي، فهي آلة فريدة ذات وتر واحد، فكان من الصعب العزف على جميع المقامات الموسيقية ومن الصعب غناء العتابا والقصيد وغيرها، في هذا الصدد يقول: «تعتبر آلة "الرباب" الأولى بين الآلات الموسيقية التي نهضت مع العتابا، وتدرجاً مع التكنولوجيا والزمن الحاضر الذي نهض ثقافياً دعا "العتابا" أن تغنى على كل الآلات الموسيقية، وأنا تغنيت وغنيت العتابا وكل الفنون الشعبية وذلك في حفلات خاصة في المراكز الثقافية، وبناءً على طلب الجمهور أرفقت العتابا بـ"النايل" و"السويحلي" و"اللالا" و"المطوّح" و"المليّل"».

أما عن دواوينه وأمسياته الشعرية فتحدث قائلاً: «كنت أقول لذاتي: عليّ أن أترك شيئاً للأجيال المقبلة، عسى أن تصحو مستقبلاً، وتعود به الذاكرة إلى ما غنّى الأجداد، في بيادر الحصاد، وعلى أنغام زقزقة المناجل، وحفيف الأشجار، وصياح "المنكوش" فاستطعت أن أقوم بتأليف ديوان شعر اسمه "العتابا والنواهي" وكان هذا في العام 1993. وأصدرت ديواناً آخر بعنوان "عطر الورد" وهو شعر غنائي شعبي طبع عام 2002».

يقول في قصيدة من قصائده:

«صياد صيد الحلو... وخلي السهم سداد... العمر بعدو بأولو... وحباب قلبي بعاد».

وأضاف: «أقمت العديد من الأمسيات في المركز الثقافي في "سلمية" وكلها تدور حول "الفن الشعبي في حضارة بلاد الشام" والذي يتناول كافة الفنون الشعبية المتداولة في هذه الحضارة غناءً ولهجة، بالإضافة إلى تأثير البيئة على الأغنية، فمثلاً تغنى "العتابا" في الساحل السوري بطريقة مختلفة عن العتابا المغناة في "سلمية" أو "الجزيرة السورية" أو العراق، كما أقمت أماسي في مدينة "الثورة" على مسرح "دار الأسد"».

أما عن السبب في تحول الأجيال الحالية، والعمل على تنحية التراث المحلي الزاخر بالعتابا من على الساحة الشعرية، فله تعليله عند "أبو منهل" وهذه الأسباب، وكما يقول: «لا يلقى شعر العتابا عند هذا الجيل أي ترحيب، وهذا عائد إلى ميله وجنوحه نحو الأغاني المبتذلة، التي بدورها تناسب مجونه، إضافة إلى تغير دائرة الاهتمام، وسيطرة الثقافات الأخرى على عقلية هذا الجيل، فابتعد عن تراثه التاريخي، ولحق بما يقدم له من خلال الفضائيات، ومواقع الانترنيت، ومما زاد الفوضى في بلورة الذائقة سيطرة الاستماع عبر "الموبايل"».

بعيداً عن الشعر الشعبي، وإن كان هو في صلب العلاقة التي ربطت ضيفنا "أبا منهل" بمشاركته في مسلسلات تلفزيزنية تتحدث عن المجتمعات البدوية، وعن هذه المرحلة يقول: «طلبني المخرج "علاء الدين الشعار" من أجل الاشتراك في مسلسل بدوي عنوانه "لحظة مصير" هذا من جانب، من جانب آخر من أجل أن أكون ملقناً، أو ما يعرف حالياً بمترجم اللهجات، التي توجه إلى الممثلين الذين لا يتقنون لهجة العمل الذين يقومون بتجسيده، وزاد في مشاركتي أنني شاركت غناءً على آلة "الربابة" بثلاثة قصائد بدوية كانت من نظمي وألحاني».

أما عن جديد الشاعر "سليمان داؤد" فإن بين يديه بحث يتضمن كافة الأغاني في حضارة بلاد الشام فقد استطاع جمع الكثير من الوثائق التاريخية المنوطة بذلك وسوف يصدر قريباً .. فترقبوه