مشبعٌ بالإنسانية والروح التواقة للطيبة، حين تلقاه توحي لك بشاشة وجهه، بأنك قد اختبرت صداقته منذ سنوات، كما أن هدوئه وحدة ذكائه تميزه، وتجعل منه الأكثر شعبية في "ريف مصياف".
إنه الدكتور "حاتم عيسى" صاحب الذاكرة المليئة بأسرار الطفولة، ونجاحات الطب كان ضيف موقعeHama الذي التقاه في عيادته الكائنة في قرية "البياضية" والذي تحدث لنا عن أيام الطفولة قائلاً: «تربطني بأهل قريتي وأزقتها، وبيوتها العتيقة، علاقة متينة في صلابة "الصوان"، أحن لرائحة الزرع ورائحة التراب المنبعث من بين بيوتها، وأشعر بأن أوردتي تغوص عميقاً في شوارعها وتنبض بحبها، وحقيقة أعشق مطرها، وحقولها وصيحات جيراننا، وتسحرني جلسات العجائز وكبار السن، لأني أرى فيهم ماضٍ عريق منسحب من أيام طفولتي، التي أتذكر بها قريتي في حالتها "البكورية"، حين كانت خالية من الكهرباء، والماء، والهاتف، بمعنى أيام "السراج"، و"قداحة الكاز"، و"بيوت التراب"».
أجمل ما بقي في ذاكرتي هي "أعراس قريتنا"، التي كان لها طقوس فريدة، لأنها تقوم في وسط ساحة القرية، حيث يشعل فيها أهل العريس النار، أو يثبتوا خشبة ويعلقوا عليها مجموعة "لكوسة الكاز" لأنه لم يكن هناك كهرباء، وكان كافة أهل قريتنا يلتموا بدون دعوة ليدبكوا، ويرقصوا ويغنوا فرحاً ببساطتهم
ويتابع محدثاً عن طفولته: «كانت أسرتنا كباقي الأسر على "بركة الله"، تعيش على البساطة، حيث كان كل الأهل من أب وأم وأطفال ينامون ويدرسون ويستقبلون ضيوفهم في غرفة واحدة، وهذا ليس ذنب الأهل بل أنهم قدّموا من ذواتهم لنحيا ونكبر ونصبح نحن مستقبلهم، وأذكر أن أمهاتنا كن يعشن ملحمة حقيقية من العذاب والشقاء، فرحلة الشقاء تبدأ من الخامسة صباحاً مع طلوع الفجر في عجن "الطحين"، وخبزه على "التنور"، ثم تبدأ رحلتها الثانية في جلب المياه نقلاً "بالجرار" على الرأس من "بئر القرية" الوحيد، مراراً وتكراراً، ومن ثم مرحلة الحصاد، و الدواب، والعمل المنزلي، والهجع لا يكون قبل الثامنة مساءً، ورغم هذا الشقاء الإ أن أهلنا كانوا دائماً تواقين للمحبة وللمساعدة بكل أشكالها من دون تقصير، ولا أذكر أنهم يوماً انزعجوا من عزيمة أو ضيافة أحد أصدقائنا التي كانت تربطني بهم قيم الصداقة الحقيقية، والتي تعتمد على التشارك في جميع جوانب الحياة من تبادل المساعدة في رعية الدواب، أو من المساعدة في الحصاد، أو الدعوة للسهرات الجماعية على صحن "شنكليش" و صحن "سلطة"».
ويتابع: «أجمل ما بقي في ذاكرتي هي "أعراس قريتنا"، التي كان لها طقوس فريدة، لأنها تقوم في وسط ساحة القرية، حيث يشعل فيها أهل العريس النار، أو يثبتوا خشبة ويعلقوا عليها مجموعة "لكوسة الكاز" لأنه لم يكن هناك كهرباء، وكان كافة أهل قريتنا يلتموا بدون دعوة ليدبكوا، ويرقصوا ويغنوا فرحاً ببساطتهم».
وعن جانب الطموح والعمل في حياته يقول: «تولّد لدي دافع قوي لدراسة الطب، من كلمات والدي رحمه الله التي ما زالت حتى اليوم تنبض في ذاكرتي، فكان يلقبني أيام الدراسة الثانوية "بالدكتور"، ولهذا كان الطب شغلي الشاغل، وبالفعل دخلت مجال كلية طب الأسنان في "حماة"، وتخرجت منها عام 1990 وبعد التخرج قمت باستثمار عيادة في قرية "البياضية"، و ما أزال حتى اليوم أعمل فيها، حقيقة أني أعشق مهنة الطب ولا أتخيل نفسي من دونها، وهذا لأني أضع فيها دائماً شيئاً من روحي وذاتي، وخصوصاً قضايا التعامل مع المريض الذي يؤمنك على روحه ويمنحك الثقة في اختيار ما هو مفيد له، لذا في هذه المهنة أعباء أخلاقية وقانونية كبيرة، والأخلاقية بالدرجة الأولى لأنه يجب على كل طبيب أن يعقم أدواته قبل فحص فم أي مريض، ليجنبه أمراض التهاب "الكبد الفيروسي" أو الالتهابات الإنتانية».
ويتابع قائلاً: «غالباً ما يزور طبيب الأسنان، "مريض" يمتلك واحد من حالتين مرضيتين، الأولى متعلقة "بالنخر"، والثانية متعلقة "بالتجميلية"، و"النخر" غالباً ما يكون تسوس الأسنان أو الأضراس، نظراً لإهمالها وقلة تنظيفها بالمعجون والفرشاة، وفي أغلب الأحيان لا يزورنا المريض إلا عندما يكون "النخر" قد أخرق القناة "القناة اللبية" في السن، هنا أصعب مراحل العمل لأن المريض يكون حساساً لأي حفر في سنه، والذي يؤلمه لأن "التسوس" يكون على حدود "العصب"، لذا نضطر في كثير من الأحيان لاستخدام "الزرنيخ"، لإتلاف العصب أو استخدام "المخدر" في الحالات التي لا ينفع فيها "الزرنيخ"، ومن ثم حشو السن بحشوات طبية بعد إزالة السوس، وأما الناحية التجميلية فهي تقوم على تصحيح الانحرافات في الأسنان، باستخدام مقومات "معدنية"، أو "خزفية"، تصنع وفق مراحل العلاج، التي قد تستمر لسنة أو اثنتين حسب حالة الانحراف السني، لكن ما تزال تكلفتها مرتفعة بعض الشيء، مقارنة بدخل أهل الريف لهذا نرى قلة من المرضى يراجعون العيادة التجميلية».
ويختم قائلاً: «يمكن القول بأن كافة الناس تزور طبيب الأسنان، لكن بعضهم يرى الطبيب مخيفاً، وهنا تكمن مهمة الطبيب الناجح الذي يجب أن يتعامل نفسياً مع مريضه، ليزيل توتره وقلقه، من خلال المزحات، و سرد القصص، وربما تساعدني طبيعتي المرحة في هذا الجانب، لذا لا أشعر بأن هناك حواجز بيني وبين مريضي الذي أحرض كل الحرص إن أتقن عملي في فمه، وأن أضع فيه لمستي لأعيد ما فقد من أسنانه إلى وضعها».
