بعد أن بدأ الناس بالتعامل مع الدروس الخاصة في المرحلتين الإعدادية والثانوية على أنها أمر واقع بدأ أولياء الأمور في "دير الزور" بوضع ميزانية خاصة للدروس الخاصة لأبنائهم الجامعيين.

وتجاوز الأمر حدود مادة صعبة أو أستاذ معين ليتحول إلى حمى أصابت الطلاب فأقبلوا عليها بنسب لا يتوقعها من ليس له صلة وثيقة بالكلية ومجريات الأمور فيها.

إن أهم الأسباب التي دفعتني إلى هذا الأمر هو الخوف من الرسوب، بعد الثانوية توقعت وجود جو مختلف، لكنني فوجئت في الكلية بأن الأعباء زادت، ودائماً هنالك تهديد الخوف من المعدلات المنخفضة أو الرسوب. إضافة إلى كثرة المواد وكثافة

eSyria حاول الوقوف على أسباب هذه الظاهرة من خلال الحوار مع كافة الأطراف من طلبة إلى أساتذة جامعيين، ومن أولياء أمور إلى أساتذة دروس خاصة وتوقف أخيراً للحوار مع عمادة الكلية.

د. طليعة الصياح

كانت البداية من قسم اللغة العربية مع الأستاذ "عامر العاني" وهو خريج كلية الآداب 2008 الذي قال شارحاً أسبابها: «تختلف الأسباب التي تدفع الطالب للجوء إلى الدروس الخاصة في الجامعة، وبعيداً عن أن هذه الدروس مرفوضة جملة وتفصيلاً، إلا أن أسبابها جاءت في بعض الأحيان مقنعة، أو أننا لا نستطيع إلا أن نقف أمامها بحيادية تامة، لا نقبلها ولا نستطيع أن نرفضها على أقل تقدير، وتختلف هذه الأسباب بين طالب وآخر، وتختلف بين بداياتها بعيد افتتاح الكلية وتفشيها بشكل كبير في غضون سنوات قليلة، كما تختلف هذه الأسباب بين قسم وآخر.

بالنسبة لقسم اللغة العربية، وأنا من أوائل الطلاب انتساباً لهذا القسم في الكلية، فقد عاينت عن قرب بداية هذه الظاهرة، حيث بدأت على شكل مدارسات بين الزملاء أنفسهم يستفيد منها من لا يحضر المحاضرات- لكون الكلية نظرية لا تلزم الحضور- ثم ما يتعلق بما هو جديد كاللغات السامية، أو ما يحتاج لشرح مفصل كالنحو، وكان الطالب يحصل على ذلك من زميله الأجدر أو أحد الذين سبقوه في الكلية ليأخذ بعد ذلك هؤلاء المدرسون صفة المدرس ودخل الأجر في الأمر، وأصبحت الدروس بالنسبة للطالب عادة لا حاجة، أو أنه أدمن هذه العادة حتى أصبحت حاجة، حيث خرج الطالب من المرحلة الثانوية محملاً بفيروس الدروس الخاصة إلى الجامعة، ولم تشفه هذه النقلة الكبيرة لأنه وجد الجو ذاته، أتحدث عن كلية الآداب "بدير الزور" بالتحديد وهنا أذكر بعض الأسباب والنتائج والملاحظات:

الأستاذ غطفان علوش

  • كثرة عدد المدرسين بحيث لم يقتصر على الخريجين، وإنما يمكن أن يكون هذا المدرس مازال طالباً وربما يدرس زملاؤه في السنة ذاتها.

  • عدم اهتمام المدرسين في الكلية ببعض الأمور الهامة والمطلوبة ما يبرر للطالب لجوءه لتعلمها خارج الكلية، وقد تكون هذه الأمور غاية في الأهمية مثل تحليل النص الأدبي.

  • عدم ثقة الطالب بنفسه، لدرجة أن بعض الطلاب أصبحوا يعدون اجتيازهم للمقرر- دون درس خاص- ضرب من المستحيل، وساعد على ذلك كثيراً المتبرعون لتهويل الأمر وتعزيز هذا الاعتقاد.

  • دخول الطالب لهذا الفرع واللغات بشكل عام دونما رغبة مسبقة أو أي مبادئ يعتمد عليها كقاعدة لانطلاقته، حيث يحتاج الطالب إلى هذه الدروس ليردم الهوة بين مستواه والمستوى المطلوب للنجاح».

  • ومن أولياء الأمور وهم الطرف الأكثر تضرراً لكونه الطرف الذي يتحمّل كافة النفقات المالية المترتبة على أخطاء وتقصير الأطراف الأخرى كان لقاء eSyria مع السيد "خضر الحسن" الذي قال: «إن ظاهرة الدروس الخاصة لم تعد قابلة في المرحلتين الإعدادية والثانوية للسيطرة عليها خاصة بعد اعتراف المؤسسات التربوية والتعليمية بها وذلك من خلال عدة مؤشرات منها افتتاح المعاهد الخاصة أو إقامة دورات في المدارس ذاتها، وكل هذا بدأ الأهالي باستيعابه، أما أن نضطر لوضع دروس خاصة لأبنائنا الذين بعد عام أو عامين سينضمون إلى قائمة المربين والمدرسين؟ فهذا أمر لا نستوعبه، أبناؤنا يلومون الأساتذة الجامعيين وهؤلاء يلقون اللوم على ما أسموه جشع المعلم الخاص، والمعلم الخاص يلقي اللوم على إدارة الكلية وعلى المناهج وعلى الأساتذة الجامعيين رغم أن بعضهم كان حتى وقت قريب ضمن الكادر التدريسي في الجامعة».

    الأستاذ محمد فتيح

    وبعد استطلاع آراء الطلاب وذويهم كان لابد لموقع eSyria من الانتقال إلى أخذ آراء جهتين متقابلتين هما الأساتذة الجامعيين والأساتذة الخاصين مع الحرص على ارتداء سترات واقية من الرصاص كي لا نذهب ضحية تقاطع نيران، وذلك لكثرة الاتهامات الموجهة من كل جهة إلى الأخرى.

    فمن جهة الأساتذة الذين يعطون دروساً خاصة في اللغة العربية كان لقاؤنا مع الأستاذة "صفية العبد" التي قالت موضحةً وجهة نظر الأساتذة الخاصين في هذه المسألة: «يمكن إجمال أسباب لجوء الطالب إلى الأستاذ الخاص بعدة بنود أهمها:

    أولاً: وضع الأساتذة الجامعيين للتدريس في غير اختصاصاتهم، مع إمكانية معالجة الأمر، قد تكون هذه الظاهرة موجودة في كليات القطر الأخرى، ولكنها ليست بهذه الوطأة، ثم إن وجود الخطأ في مكان ما لا يبرر وجوده في آخر، فأحد الأساتذة وهو الدكتور "فاروق إسماعيل" اختصاصه لغات سامية لكنه يدرس لسانيات وفقه لغة، بينما يؤتى بأستاذ آخر لتدريس اختصاص هذا الدكتور وهو اللغات السامية.

    الدكتور "عبد الجليل العلي" يدرّس الأدب الأموي ومادة طرائق التدريس علماً أنه مختص بالأدب الحديث، وتحضر الكلية أستاذاً جامعياً من جامعة "دمشق" ليدرّس الأدب الحديث.

    ثانياً: ضعف الكادر التدريسي.

    ثالثاً: صعوبة التعامل مع عمادة كلية الآداب، وعدم وجود رؤساء أقسام ما يؤدي لوضع بعض الأساتذة في غير اختصاصاتهم».

    ومن الجهة الثانية التقينا د. "عيّاد خير الله" ولكونه مختصاً بالأدب العباسي ويدرس الأدب الأندلسي والأدب الجاهلي سألناه عن الأسباب التي تجعل طالب آداب يلجأ إلى أستاذ خاص في مادة مثل الأدب الأندلسي، وما الذي يقدمه الأستاذ الخاص؟ أجاب قائلاً: «الخوف من الرسوب هو ما يدفع الطالب إلى الأستاذ الخاص، وهذا الخوف يضرمه تجار العلم بسبب جشعهم وطمعهم.

    هذا سبب أول، أما الثاني فيتعلق بمعدلات الرسوب المرتفعة، والتي يكون سببها أحياناً أخطاء نحوية أو إملائية، وكثيراً ما تتسبب في رسوب كثير من الطلبة دون أن يعرفوا أنها السبب ما يؤدي إلى إحساسهم بالعجز عن تحقيق النجاح دون مساعدة».

    ومن يقرأ هذا الكلام لابد أن يتساءل كما تساءلنا إن كان خوف الطلبة هو ما يدفعهم إلى أستاذ خاص، ألا يكون دور الأساتذة الجامعيين هنا التخفيف من تلك المخاوف؟.

    وهنالك أيضاً إشارة ذكرناها للدكتور "عياد" على لسان الطلبة ونؤكدها الآن أنه في كلية الآداب لا يتم تدريس التحليل في مادة الأدب وهي مادة أساسية في جميع السنوات على اعتبار أنه تم تدريسها في السنة الأولى، وحتى يكتمل وميض الإشارة نذكر أن التحليل له نصف علامة النظري في مادة الأدب.

    أما عن قسم اللغة الإنكليزية فإن الأسباب تبدو مختلفة بسبب طبيعة الدراسة في هذا القسم، eSyria التقى الطالبة "نهى" وسألها عن الأسباب التي دفعتها لإجبار ذويها على دفع تكلفة ست مواد درستها عند أستاذ خاص في سنة واحدة وقالت: «إن أهم الأسباب التي دفعتني إلى هذا الأمر هو الخوف من الرسوب، بعد الثانوية توقعت وجود جو مختلف، لكنني فوجئت في الكلية بأن الأعباء زادت، ودائماً هنالك تهديد الخوف من المعدلات المنخفضة أو الرسوب. إضافة إلى كثرة المواد وكثافة».

    ومن أساتذة الدروس الخصوصية الذين يدرسون اللغة الانكليزية كان لقاؤنا مع الأستاذ "غطفان علوش" الذي كان حتى وقت قريب ضمن الكادر التدريسي في كلية الآداب- قسم اللغة الإنكليزية- وقد حاول تحديد الأسباب بالتالي:

    «1- صعوبة قسم اللغة الإنكليزية ولاسيما أن مستوى طلابنا في اللغة الإنكليزية ضعيف إجمالاً.

    2- خوف الطلاب من عدم اجتياز الامتحان، وذلك ناجم عن الصدمة التي يتلقونها عند بدء حضور المحاضرات، إذ يتبين لهم أن المحاضرات كلها تعطى باللغة الإنكليزية، وهذا الأمر لم يعتد عليه الطلاب في المراحل السابقة.

    3- عدم كفاءة بعض مدرسي القسم، إذ إن أكثرهم معيدون ومحاضرون لم يتسن لهم أن يجمعوا الخبرة الكافية التي تؤهلهم لتدريس المواد بالكفاءة المطلوبة.

    4- النقص المتعدد الأوجه في قسم اللغة الإنكليزية، كغياب رئيس للقسم، عدم وجود مكتبة توفر المرجعية المطلوبة لحلقات البحث والامتحانات.

    5- كسل أغلب الطلبة واعتيادهم على من يقوم بالعمل نيابة عنهم.

    6- الرغبة بالتفوق عند بعض الطلاب».

    ومن قسم اللغة الإنكليزية كان اللقاء مع الأستاذ "محمد فتيّح" الذي تحدث عن أسباب هذه الظاهرة موضحاً إياها بالتالي: «ما يميز كليات الآداب عن غيرها من الكليات هو العدد الضخم من الطلاب ونقص الكادر التدريسي وعدم إلزامية حضور الطلاب للمحاضرات، كما أن القبول في أقسام كلية الآداب يعتمد على علامة اختصاص في المادة الموافقة للقسم الذي تتم المفاضلة عليه، ولكن حصول الطالب على علامة مرتفعة في مادة الاختصاص- اللغة الإنكليزية مثلاً- لا يعني بأي حال من الأحوال تميز الطالب في اللغة الإنكليزية أو قدرته على دراسة واستيعاب مقررات قسم اللغة الإنكليزية، ولاسيما عندما يترافق ضعف مستوى الطالب من ناحية أولى مع عدم إلزامه بحضور المحاضرات وعدم توافر الكادر أو القاعات التدريسية التي تسمح بتوزيع الكادر التدريسي والطلاب بطريقة تمكن من التفاعل فيما بينهم.

    إضافة إلى أن المنطقة الشرقية تتميز أساساً بضعف في مستوى تدريس اللغات في المراحل ما قبل الجامعية وعدم توافر المراجع العلمية سواء في الكليات أو المراكز الثقافية لذلك وحتى عندما يتوافر الكادر- من جامعات أخرى مثلا- يلاقي هذا الكادر فرقاً شاسعاً في مستوى الطلاب في تلك الجامعات وجامعة الفرات وهذا ما يصعب التواصل أكثر وتكبر الفجوة أكثر فأكثر بين مستوى الطلاب الحقيقي وبين المستوى المتوقع منهم. وفي ظل هذه الظروف يضطر الطلاب للجوء لمصادر أخرى تعينهم في دراستهم وكان أبرز هذه المصادر هي الدروس الخاصة».

    ونهاية المطاف كان من الطبيعي أن تكون عند رأس الهرم في كلية الآداب الدكتورة "طليعة الصياح" التي قضت حوالي 25 سنة من حياتها خارج الوطن وعادت لتفاجأ- على حد تعبيرها- بهذه الظاهرة التي اعتبرتها سلبية ومؤسفة مبينة أسبابها بالتالي:

    «أولا: ما يدفع الطلاب إلى الدرس الخاص هو مزاجية البعض منهم وتضارب مواعيد المحاضرات مع رغباته ما يؤدي إلى عدم التزام هؤلاء بالحضور وبالتالي يصبح الأستاذ الخاص ملجأ لهم.

    ثانياً: تساهل الأهل في هذه الأمور والحالة المادية الجيدة عند البعض تصبح مبرراً للاتكال على أستاذ خاص وعدم الانتباه.

    ثالثاً: مشاكل خاصة تتعلق بقسم اللغة الإنكليزية، فهناك إشكالية تتعلق باللغة الإنكليزية في كل جامعات القطر وفي جامعتنا وهي حديثة نسبياً، قسم انكليزي لا يوجد فيه ودكتور واحد على ملاك الجامعة، ففي الجامعات الأخرى الأساتذة لديهم فرص أكبر كالمعاهد الخاصة والجامعات الخاصة، إضافة إلى بعد المسافة، فالأستاذ الذي يدرّس في جامعة "البعث" يفضل مثلاً "حماة" أو"إدلب" والذي يدرّس في"حلب" يفضل" إدلب" أو "حمص"، لذلك يرفض الأساتذة التدريس هنا.

    منذ سنتين تقريباً التقينا مع السيد وزير التعليم العالي وعرضت عليه المشكلة، فوجه كل عمداء الكليات بإرسال الأساتذة إلينا مع إعطاء امتيازات وتواصلت شخصياً مع عمداء كل كليات القطر والمعاهد العليا للغات دون جدوى».

    أما عن الحلول فقد أكدت: «إن الإجراء الوحيد الذي يمكننا فعله هو منع كل أستاذ جامعي من إعطاء دروس خاصة ويتم إلغاء تكليفه مباشرة في حال عدم الالتزام بذلك، أما فيما يخص قسم اللغة الإنكليزية فهناك معيدون يحضرون للدكتوراه في بريطانيا ستكون عودتهم القريبة بإذن الله جزءاً من حل المشكلة».