ما إن يطرق فصل الخريف أبوابه حتى تبدأ العائلة في "دير الزور" بالإعداد والتحضير لمؤونة الشتاء.

وذلك بحفظ وتخزين عدد من الأطعمة حسب تعداد أفراد الأسرة وحاجاتها وفق طرق معينة وأساليب خاصة تبرع بها ربات المنازل في المحافظة.

لا أزال أقوم بتجفيف الخضراوات كالبامياء وصنع رب البندورة إضافة إلى تخزين المكدوس والمربيات وذلك لتلبية حاجات الأسرة من المونة خلال فصل الشتاء إضافة إلى المخللات

المؤونة أو المونة هو الاسم الشائع بين الناس بأنواعها المحددة في "دير الزور" من الأطعمة كالبامياء، والباذنجان ودبس الفليفلة، ورب البندورة والسمن العربي، والعوين والمخللات والمكدوس، والكشك وبعض أنواع الحبوب وحتى ملح الطعام ولا تزال بعض العائلات تخصص ركنا من البيت لحفظ المونة فيه.

الباحث عباس طبال

وللتعرف على محتويات المونة في "دير الزور" التقى موقع eSyria بتاريخ 14/10/2011 السيدة "خنساء الإبراهيم" والتي قالت: «مع مرور الزمن وتعاقب الأجيال بدأت هذه العادة بالانحسار تدريجياً بسبب تغير أنماط الحياة من حيث خروج المرأة إلى العمل خارج المنزل وتوافر الأطعمة المعلبة وانتشار الخضار والفواكه المزروعة في البيوت البلاستيكية، وازدياد عدد المطاعم التي تقدم الوجبات السريعة وارتفاع أسعار بعض الأطعمة كالسمن العربي وبعض أنواع الفواكه».

وأما للحديث عن المونة من وجهة نظر الباحثين فقد التقينا الباحث "عباس طبال" والذي قال: «تخزين المونة هو تقليد قديم في "دير الزور" ولا يكاد يخلو منزل من غرفة المونة وهي غرفة مخصصة للمونة، وغالبا تكون في القبو أو في أماكن باردة للتخزين وحفظ الطعام لمدة طويلة وتكثر فيه الرفوف لرفع المواد المخزنة عن الأرض حتى لا تتعرض للرطوبة والتلف وتتفاوت كميتها ونوعيتها حسب عدد أفراد الأسرة وكان أهالي "دير الزور" يقومون بتخزين المونة بكل شرائحهم المجتمعية فهي من ضروريات الحياة في المحافظة».

علب السمن العربي

ويضيف "طبال" بالقول: «العائلات في المحافظة كانت تقوم بتخزين القمح الأحمر القاسي لصنع خبز التنور ولفتل الشعيرية وصنع البرغل كما تستخدم القمح البيوضي الخاص بالجريش وتقوم بتخزين الذرة البيضاء لتصنع منها /العصيدة/ وهي من الاكلات التراثية القديمة، كما تقوم النساء بتخزين حبوب اللوبياء المجففة وتسمى في "الدير" "بالعوين" لصنع "الفورة"».

وتقول السيدة "سميحة الصالح" بالقول: «لا أزال أقوم بتجفيف الخضراوات كالبامياء وصنع رب البندورة إضافة إلى تخزين المكدوس والمربيات وذلك لتلبية حاجات الأسرة من المونة خلال فصل الشتاء إضافة إلى المخللات».

مونة رب البندورة

وتتابع "الصالح" بالقول: «البرغل من مواد المونة الأساسية يتم تحضيره من الحنطة المسلوقة والمجففة بالشمس لعدة أيام، والقسم الأكبر يتم جرشه آلياً لصناعة البرغل الجاهز للأكل، أما قديماً فكان يتم جرشه بالرحى اليدوية، ويصنع من القمح المسلوق، أيضاً الطحين بمساعدة الأقارب والجيران، كما أن لمونة السمن العربي أهمية كبيرة حيث يصفى من الشوائب في جرار كبيرة من الفخار تدعى /خابية/ تحكم بغطاء خشبي للحفاظ على السمن وهي من التراث الموروث الذي بدأ ينقرض بعد التطور ووسائل حفظ الطعام الحديثة».

وتحدث الباحث الاجتماعي "مازن شاهين" عن أيام المونة في "دير الزور" قائلاً: «أيام المونة كانت تشهد حالات كرنفالية للمرأة الفراتية لها طقوس معينة ومتعة بأجواء مفعمة بالمحبة والألفة والتماسك الاجتماعي بين الجيران والأقارب والأهل حيث كانت الفتيات تتنافس على إبراز مواهبها في تحضير المونة ليشهد لها بالإتقان والمعرفة بين نساء الحي مرددة أجمل القصائد الفراتية والأغاني الترثية كالموليا بمهرجان المونة».

وأضاف بالقول: «كانت النساء التي لا تعد المونة تلقى الانتقاد والسخرية من الجيران والأقارب على عكس هذه الأيام فقد قل تخزين المونة، وباتت قلة من النساء يقمن بإعدادها نظرا لتوافر المواد في الأسواق على مدار العام وبأسعار ربما مناسبة مما يوفر على المرأة وخاصة العاملة الوقت والجهد».

وتشير "حلا العاني" موظفة إلى المونة بالقول: «توفر معظم الأغذية في المحلات التجارية يجعل من الأسهل والأيسر على العائلة التسوق من تلك المتاجر خاصة أن تلك الأغذية محفوظة وفق مواصفات قياسية وبإشراف الدولة ما يجعلني أثق بها، إضافة إلى أن السكن في الشقق المغلقة يجعل من الصعب تخزين المؤونة التي يحتاج إعدادها وتحضيرها إلى مساحات واسعة ومعرضة للشمس».

ويبين "خالد المحمد" تاجر خضار أنه مع قرب انتهاء فصل الصيف يقبل الناس على شراء عدد من انواع الخضار والفواكه بكثرة لتحضيرها وتخزينها في بيوتهم للمؤونة كالبامياء والباذنجان ليتم تجفيفها بالشمس او تخزينها في البرادات والبندورة والفليفلة الحمراء لعصرها والمشمش للمربى والخيار والفليفلة الخضراء والقثاء لتحضير المخلل، مشيراً إلى أن كميات الشراء تختلف بين عائلة وأخرى حسب عدد أفراد الأسرة وحسب نوع الخضار أو الفواكه التي سيتم إعدادها للمونة، وعموماً تتراوح الكميات بين 15 إلى 60 كيلو غراماً».