بدأ يرسم خطاً لحياته منذ ما يقارب العقدين من الزمن، خبرَ واكتشف أشكالاً حروفية، ألواناً، بلداناً، وغُربة.. وكانت البداية من بلده الأم سورية، هو هنا اليوم يقدم نتاج إحساسه أعمالاً تحمل سحر الشرق ودفء كل حرف عربي وكأنه لم يبتعد عن بيئته يوماً.

موقع "eSyria" بتاريخ 15/6/2009 عَبَر الخط الزمني الذي جسده الفنان التشكيلي "كيفورك مراد" لمجموعة اللوحات التي قدمها واختار لها هذه التسمية في غاليري "رفيا"، وخلال وقفتنا مع ذاكرته وألوانه حدثنا:

نتمنى أن تكون صالتنا أكثر حرية لتصبح صالة يلتقي فيه الفنانون والمثقفون، ويكون منبراً لنقاشات ومواضيع مشتركة بين الفن والثقافة لتعود تلك العلاقة القديمة بين الفنان وجمهوره وألا يكون الفن حكراً لطبقة معينة

«بداية أنا فخور جداً بأن الحركة الفنية في سورية تصعد باتجاه عالمي وبتقدير مميز للفن، اليوم أشعر بحالة غريبة ممزوجة بالسعادة فهذا معرضي الأول في سورية بعد السفر والدراسة، حيث أني بدأت باكتشاف فن الرسم منذ أن كان عمري/6/ سنوات، وسافرت إلى "أرمينيا" لدراسة الفن هناك عندما كنت في التاسعة عشرة من عمري، قبل سفري قدمت معرضي الفردي الوحيد في سورية، أما في "أرمينيا" درست لمدة /6/ سنوات لم أفكر في تقديم أي معرض خلال هذه الفترة إلى أن أنهيت دراستي عام 1996، وبدأت بالتحضير لرسالة الدكتوراه أثناء ذلك دُعيت إلى "أمريكا" ومتابعة اختصاصي هناك فشعرت أنها فرصتي الجيدة».

كيفورك مراد

يتابع "كيفورك" سرده لنا عن خطه الزمني: «قضيت عامي الأول هناك وأنا أقارن بين نظرتي للفن عندما كنت في سورية، ومن ثم "أرمينيا"، وفي "أمريكا"، كما جبت كل أطراف "أمريكا" بحثاً عن نقاط التلاقي بين فني وفنانيها، إلى أن وجدت خلال عام 2000 أن "نيويورك" هي أنسب بلد استقر فيها وأقدم رسالتي منها».

بحث مطولاً كما كل من يبدأ حياته الجديدة ليجد مُبتغاه قريباً جداً، إحساسه سوري، ذو بعدٍ جغرافيٍ: «خلال السنوات الأولى من سفري كنت اعتقد بأن التأثير الغربي علي مهم جداً، كما يجب أن أتأثر بفنانين عالميين، لكن عندما انتقلت إلى "نيويورك" وجدت أن تأثير الفن السوري علي عميق جدا كوني شخص ولدت في هذا البلد وتربيت ضمن أبنيته وخبرت زخارفه وتشربت من لغة وحركة الخط العربي، كل هذا المخزون الغني والخاص بدأت أؤرشفه بأعمالي، وأنا الآن أشعر بأني كل يوم أصبح أقرب إلى جذوري وهي أكبر مؤثر على ما أقدمه من أعمال في غربتي».

من أعماله

لوحاته تجمع اللون والموسيقا وجذوره، يضيف "كيفورك" مؤكداً: «عند النظر إلى اللوحة تبدو للوهلة الأولى متكاملة من ثم يكون إحساسك من يرشدك إلى كيفية الغوص فيها، وفهمها بالإضافة إلى التكوين المتراكب بين الحروف العربية، والمنمنمات الأرمنية فهذه التراكبية جزء مني لكوني إنساناً سورياً أرمنياً من الطبيعي وجود هذه العناصر في لوحتي، أما فنياً لا يوجد هذه الأيام فنان معاصر بإمكانه أن يقول أنا أنتمي إلى هذه المدرسة بل الآن كل التجارب شخصية وتعتمد على فكر وإحساس وفلسفة الفنان، وعن نفسي أقول فلسفتي الفنية هي فلسفة الصوت لها بداية ونهاية».

أعمال فلسفية تشع بصوت اللون بتناغم رائع: «هذه فلسفة عميقة، حيث عندما نقول شيئاً ما فإن الصوت كما يبدأ ينتهي، ولا نستطيع أن نحذف ما قلناه من ذاكرة من تحدثنا إليهم، واللوحة تسافر بك بعيداً مع بعدها الثالث؛ وصوت كل بعد، بالإضافة لبداية ونهاية كل خط كأنها أصوات تتفاوت بطاقتها وقوتها، لذلك قوة الخط مهمة جداً بالنسبة لي وذلك ينعكس على لوحاتي حيث تكثر فيها الخطوط باللون الأسود».

جانب من الحضور

ومن جانب آخر التقينا بالأستاذة "رفيا قضماني" مديرة غاليري "رفيا" وحدثتنا: «هذا المعرض الثاني الذي نقيمه في الغاليري، حيث الأول كان لفنانين من دول عربية مختلفة رغبة منا بإحداث حركة فنية جديدة في سورية فشمل المعرض فنانين مهمين جداً من "المغرب"، "تونس"، "العراق"، ومن "فلسطين"، كما رتبنا لعروضنا بأن نقيم معرضاً سورياً وآخر عربياً فبالنهاية كل الفن العربي مكمل لبعضه ويشكل أجزاء متكاملة بنمطية مختلفة، كما إن الاهتمام زائد بالفن التشكيلي وأتمنى ألا يقل ليحصل الفنان على حرية اكبر باختيار مواضيعه، وأفكاره، ولا يكون همه النتاج السريع».

وتختم الأستاذة "رفيا قضماني" حوارها القصير معنا بكلمات ملؤها هم ثقافي وفني قولاً وفعلاً: «نتمنى أن تكون صالتنا أكثر حرية لتصبح صالة يلتقي فيه الفنانون والمثقفون، ويكون منبراً لنقاشات ومواضيع مشتركة بين الفن والثقافة لتعود تلك العلاقة القديمة بين الفنان وجمهوره وألا يكون الفن حكراً لطبقة معينة».

ازدحمت الصالة بفنانين كبار ومميزين في عالم التشكيل السوري، هنا التقينا بالفنان التشكيلي "حمود شنتوت" وأثناء تمعنه في إحدى اللوحات حدثنا: «هذه التجربة ترفد الحركة التشكيلية السورية بدماء جديدة وأساليب وتقنيات ومواضيع معاصرة، ونحن بحاجة للاطلاع على أعمال قريبة من منشأ الفن العالمي ومتأثرة بها، "كيفورك" عنده تجربة غنية جداً باللون والخط والتكنيك وعنده اظهار وإخفاء رائع للمواضيع».

وفي الجهة المقابلة كان الفنان التشكيلي "زهير حسيب" وبعد وقفته أمام كلٍ من اللوحات كانت وقفته معنا: «أعمال الفنان "كيفورك" فيها تشخيص وإحساس عالٍ جداً، وتضج بالزخرفة والمساحات العالية وقد خبرنا سابقاً أعمالاً لفنانين عراقيين جمعوا بين التصوير والحرف العربي، إلا أنه يمتاز بقدرته على خلق لوحة خاصة به فله شخصيته وأسلوبه المتميز، خاصة أنه يأخذ من الشرق رموزه لينعكس على عطاء ذاكرته، بالنهاية وبشكل عام المعرض جميل، وباعتباره ابن هذه البلد فكانت العودة إلى الجذور والأعماق ضرورية ليشحذ مجدداً من ضوء وهواء وشمس سورية في أعماقه».

ومن الجدير بالذكر أن الفنان التشكيلي "كيفورك مراد" مواليد القامشلي عام 1970، خريج معهد "يريفان" للفنون الجميلة عام 1996 في "أرمينيا" وهو يقيم ويعمل حالياً في "نيويورك"، ومن خلال مشاركته للموسيقيين في حفلاتهم ظهر تطور رسمه العفوي ليوصل التشكيل بالموسيقا في نقطة تلاقٍ واحدة.