«اتخذت قرية سوق "وادي بردى" تسميتها منذ العصور الكلاسيكية لتكون "آبيلا"، ثم تحول اسمها بعد الفتح العربي إلى "آبل السوق" لكونها مركزاً تجارياً ومكاناً تقام فيه سوق سنوية».

هذا ما قاله المهندس "ابراهيم عميري" رئيس قسم المباني في دائرة آثار ريف دمشق عن أصول تسمية "آبيلا" الواقعة إلى الغرب من مدينة دمشق بحوالي ثلاثين كيلو متراً في بداية وادي بردى بعد التكية، والذي تحدث لموقع eDamascus عن أهمية الموقع خلال العصر الروماني وأبرز معالمه فقال: «تبعت "آبيلا" في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد إلى الأسرة "الإيتورية" التي حكمت أجزاء من "وادي بردى" ولبنان وفلسطين كمملكة مستقلة داخل دولة "السلوقيين"، فأطلق عليها لقب مقاطعة لما حوته من معالم أهمها جزء من الطريق المحفور في الصخر بطول مئة وستين متراً، وعرض خمسة أمتار، وبارتفاع عشرة أمتار، والذي يعود إلى العام مئة وأربعة وستين قبل الميلاد، ويحوي على جدرانه نصوصاً لاتينية متشابهة المعنى، كبيرة من تسعة أسطر، وصغيرة ذات سبعة أسطر تبين أسماء من شارك في شق الطريق، وترجمة النص الكبير هي: "شقت الطريق بأموال آبيلا في عهد الحاكم الروماني لولاية سورية جوليوس فيروس الذي يكن الولاء للإمبراطور سيزر ماركوس أوريليوس أنتينينوس أغسطس والإمبراطور سيزر لوسيوس أوريليوس فيروس أغسطس"، أما ترجمة النصوص الصغيرة فهي: "نفذت بإشراف الضابط في الفرقة السادسة عشرة ماركوس فولوزيوس ماكسيموس من أجل سلامة وعظمة الإمبراطور أغسطس أنتينينوس"».

خصص المعبد للإله "كرونوس" إله الزمن عند "الإغريق"، وذكر فيه الإلهان "زيوس" الروماني و "آبيس" المصري، وبذلك تكون "آبيلا" هي المنطقة الوحيدة في سورية التي عبد فيها الإله المصري "آبيس"

وعن المدافن المحفورة في السفح الجبلي قال "عميري": «كانت منطقة السفح الجبلي هي المدفن الرئيسي للبلدة، إذ تحوي على مدافن حفرت في الصخر على شكل فردي وثنائي، وبعضها جماعي حفر على شكل نواويس تضم عدة قبور، ما يميز المدافن أنها مزودة بكتابات تشير إلى أسماء من يرقد بداخلها وأعمارهم، في حين نقشت شواهد وكتابات وكوى فيها تماثيل على مداخل المدافن الأخرى».

المهندس ابراهيم عميري

وأضاف المهندس "عميري" قائلاً: «من أهم المعالم الغائبة عن الموقع كلياً معبد "قمة النبي هابيل" الذي اندثرت معالمه في نهايات القرن التاسع عشر، فذكره العديد من الرحالة ومنهم "بورتر" الذي وصفه في كتابه "خمس سنوات في سورية" عام /1870/ مشيراً إلى أن المعبد لم يبق من أجزائه إلا القليل، وأنه يقع إلى الجنوب من المدفن الإسلامي، وأن اتجاهه من الغرب إلى الشرق، وأنه رأى بقايا الأعمدة المتدحرجة إلى أسفل الوادي».

وأضاف: «خصص المعبد للإله "كرونوس" إله الزمن عند "الإغريق"، وذكر فيه الإلهان "زيوس" الروماني و "آبيس" المصري، وبذلك تكون "آبيلا" هي المنطقة الوحيدة في سورية التي عبد فيها الإله المصري "آبيس"».

بقايا معبد هابيل

وأرجع "عميري" تراجع البلدة في العهدين البيزنطي والإسلامي لأسباب متعددة فقال: «ما يلفت النظر ندرة الآثار المسيحية في المنطقة، إذ لا توجد نصوص تعود للفترة البيزنطية، ولا بقايا أخرى باستثناء نص واحد على حجر وجد في أحد البيوت التي تعود إلى القرن التاسع عشر نقل إلى قنصلية فرنسا في "دمشق" ترجمته إلى العربية: "بلطت الكنيسة عندما كان جان هو المطران في شهر ديزيوس عام خمسمئة وثلاث وستون ميلادية"، كما ذكر بعض الرحالة معبد "جبل هابيل" على أنه موقع الدير، وبعضهم أطلق على المعبد اسم كنيسة ما يشير إلى فكرة تحويل المعبد في العصر البيزنطي إلى كنيسة ودير خاصة أن السطح المنبسط لجبل "هابيل" الواقع إلى جنوب غرب موقع المقام والمعبد يسمى "ضهر الدير"».

وأضاف "عميري": «إن الانتقال الطبيعي التدريجي من العصر الروماني إلى العصر البيزنطي، يعني استخدام نفس الأبنية، وكتابة نصوص جديدة وغيره مما نراه في كثير من بلدات الريف كما في مدافن "معلولا" من العصر الروماني التي تحولت إلى مدافن ومعاصر في العصر البيزنطي واستمرت فيها الكتابات، وكذلك معابد "الشيروبيم" و"مار توما" في "صيدنايا"، وفي "يبرود" التي تحولت إلى كنائس وأديرة تم الحفاظ عليها.

قناة لجر المياه

أما في العهد الإسلامي فقد فتحها العرب عام ستمئة وأربع وثلاثين ميلادية حين انعقاد السوق السنوي لذلك أطلقوا عليها "آبل السوق"، لكن أهميتها السياسية قلت بسبب الاستقرار الذي شهدته المنطقة آنذاك، ولعدم وقوعها في منطقة إستراتيجية حسب موازين القوى، وتحولت لمصيف من مصايف "دمشق" يتغنى بها الشعراء، فذكرها "أحمد بن منير الطرابلسي" المتوفى عام /1154/ ميلادية فقال: "فالماطـرون فـداريا فجـارتها.. فآبل فمغــاني ديــر قانون... تلك المنازل لا وادي الأراك ولا.. رمل المصلى ولا أثلاث يبرين"، وذكرها "ابن عنين الدمشقي" في القرن الثاني عشر الميلادي أيضاً: "فســقى الله بين آبل والمـرج.. ثقالاً من الغوادي السواري".

فيما يرى الأستاذ "محمود حمود" رئيس دائرة آثار "ريف دمشق" أن "آبيلا" لم تكن سوى سوق تجارية فقال: «رغم وجود الكثير من المعالم الأثرية وأقنية المياه والكتابات وبقايا المعابد والأدراج والمدافن الرومانية، إلا أن وجود دليل على نمو حضارة سكانية في هذه المنطقة غير موجود ومن المعتقد أن تكون المواقع القريبة منها مثل "برهليا" أو "كفر العواميد" قد احتضنت هذا النمو أو تبعت لبلدة "آبيلا" لوجود المعبد والمدافن الجماعية، وما تشير إليه مساحة الموقع الأثري لا تتناسب مع المصادر والمراجع التي ذكرتها، ونستشف من ذلك أنها كانت المركز الرئيسي التجاري لوادي "بردى" خلال العهد الروماني وتبعت لها مواقع سكانية متعددة».

ويعتقد البعض أن "آبيلا" هي المكان الذي دُفن فيه "هابيل" عندما قتله أخوه "قابيل" رغم عدم وجود أية مصادر تشير إلى ذلك سوى القرب في التسمية وإشارة بعض الرحالة إليه منذ القرن الثامن عشر الميلادي، وقد أصبح مزاراً هاماً يضم قبراً طوله ستة أمتار وقبتين صغيرتين وغرفاً للخدمات ومحلات تجارية.