على سفوح جبل الشيخ الشرقية وأطراف حوض نهر "الأعوج" العليا، تقع بلدة "حينة" التي تتبع إدارياً لمنطقة "قطنا" على تل طبيعي ذي تربة بركانية، عليه توضعات أثرية ودلائل سكنية يعود القسم الأعظم منها للعصرين الروماني والبيزنطي.

وللحديث عن الموقع وأهم معالمه العامة التقى موقع edamascus الأستاذ "محمود حمود" رئيس دائرة آثار "ريف دمشق" فتحدث قائلاً: «تظهر بعض المعالم الأثرية في موقع "حينة" والعائدة بشكل خاص للعصور الكلاسيكية بين بيوت القرية منها أرضية و"بوديوم" معبد كبير من العصر الروماني تحت جدران أحد البيوت الحديثة، وتم الكشف عن الكثير من المعالم الأخرى داخل البلدة ومحيطها القريب مثل المعاصر المنحوتة والجدران وأساسات العديد من الأوابد والحجارة المبعثرة، ويحيط بالبلدة أيضاً من الجهة الغربية والجنوبية عدد كبير من المغاور وبقايا المنشآت الرومانية والبيزنطية المنحوتة في الصخر منها معاصر زيتون وأبنية متنوعة ومدافن مختلفة الأشكال والأحجام ونقوش كتابية بالخط اليوناني، ومقالع ضخمة للحجارة الكلسية».

تحت مستوى هذه القبور وفي سوية أدنى عثرنا على مدفن يعود لفترة البرونز الوسيط الثاني (القرن الثامن عشر قبل الميلاد)، واكتشاف مدفن آخر مجاور له تماماً من الجهة الشمالية الغربية أكثر أهمية من المدفن الأول لاتساعه واحتوائه على عدد أكبر من الأثاث الجنائزي رغم أن حالته مشابهة تماماً من حيث التخريب والتشويه الذي تعرض له

وعن مدافن "تربة الغرباء" العائدة إلى العصور الكلاسيكية (الروماني والبيزنطي) وعصر البرونز الوسيط الثاني في القرن الثامن عشر قبل الميلاد قال "حمود": «إلى الشرق من "حينة" في "تل الكروم" الذي يدعى لدى سكان القرية "تربة الغرباء" لاعتقادهم بوجود غرباء عن القرية يوماً ما دأبوا على دفن موتاهم بهذا التل، تم الكشف عن عدد كبير من المدافن الأثرية الجماعية والفردية العائدة بمعظمها للعصرين الروماني والبيزنطي والعصور الإسلامية الباكرة الأموية والعباسية، لكن الاكتشاف الأهم كان بمحض الصدفة في بداية الشهر التاسع من عام /2007/ وأثناء قيام إحدى الجهات العامة بأعمال التجريف في التل المذكور، تم العثور على تابوت منحوت من الحجر الكلسي القاسي له غطاء مؤلف من لوحين حجريين مشذبين، وبعد تنقيب منهجي تم العثور على تابوت آخر مشابه للأول توضع إلى الشمال منه تماماً، وعدد آخر من القبور التي كان أغلبها محفوراً بالتربة دون أن تبنى لها جدران ما عدا القليل منها الذي بني من حجارة غشيمة، ولم يعثر على عظام كاملة أو أثاث جنائزي مهم داخل هذه المدافن التي تعود للعصرين الروماني والبيزنطي، وربما كان الكثير من هذه القبور قد بني وجهز للدفن دون أن يستخدم يشير إلى ذلك العثور على الكثير من المدافن الفارغة تماماً والتي لم يتم التعدي عليها من قبل لصوص الآثار، وربما وضع فيها بعض الرماد الناتج عن حرق الجثث».

محمود حمود مدير آثار ريف دمشق

وأضاف قائلاً: «تحت مستوى هذه القبور وفي سوية أدنى عثرنا على مدفن يعود لفترة البرونز الوسيط الثاني (القرن الثامن عشر قبل الميلاد)، واكتشاف مدفن آخر مجاور له تماماً من الجهة الشمالية الغربية أكثر أهمية من المدفن الأول لاتساعه واحتوائه على عدد أكبر من الأثاث الجنائزي رغم أن حالته مشابهة تماماً من حيث التخريب والتشويه الذي تعرض له».

وفيما يخص طريقة الدفن وحجم كل من المدفنين قال "حمود": «بعد الانتهاء من أعمال تنقيب وتوثيق التابوت الحجري الأول العائد للعصر الروماني والقبور المجاورة المبنية من الحجارة الغشيمة والعائدة على الغالب للعصر البيزنطي المتأخر، ظهرت بعض البقايا الأثرية العظمية والفخارية والتي انتشرت على مساحة دائرية بلغت حوالي عشرة أمتار مربعة، كما انتشرت بعض الكسر الفخارية في منطقة بعيدة عن المدفن، أما الاختلاط الحاصل بين التوضعات الأثرية والجيولوجية فهو ناجم عن سقوط سقف المدفن على البقايا الأثرية ما أدى لهذا التداخل، فبعض الأواني الفخارية احتوت على جماجم وعظام، نجم ذلك عن إعادة استخدام المدفن بشكل متكرر، الأمر الذي حتم على القائمين على عملية الدفن تهيئة جزء من أرضية المدفن لوضع الوافد الجديد، وبالتالي لا بد من إعادة ترتيب المدفن من جديد وإفراغ الجزء الأسهل وهو الأقرب للمدخل، ولم تقتصر عملية التجميع على الأثاث الجنائزي وحده بل شملت أيضاً العظام ورفات الأموات الذين سبقوا فاختلطت وبشكل غير منظم أيضاً مع الأواني الفخارية».

المدفن الثاني

«أما المدفن الثاني فيجاور الأول من الجهة الشمالية الغربية ويبعد عنه تسعين سنتيمتراً، حفر في تربة رسوبية حصوية مشابهة "كونغلوميرا"، توضع التابوت فوق السوية الأقدم في المقطع، ويظهر المقطع بوضوح أن التابوت المنحوت من الحجر الكلسي القاسي ذي الصنعة الجيدة والذي يزيد طوله على مترين أدى لسقوط السقف، وكانت حالة الدفن مشابهة للمدفن الأول، فالهياكل مبعثرة ومتداخلة مع الأواني واللقى الأثرية الأخرى بشكل فوضوي وغير منتظم».

وعن أهم اللقى الأثرية في كلا المدفنين قال "حمود" من أهم اللقى التي تم العثور عليها في المدفن الأول هي الأواني الفخارية المختلفة الأشكال والأحجام، ظهر القسم الأكبر منها في وسط المدفن وفي داخله، وتميز العديد منها بدقة الصنع وبالزخارف المختلفة التي وجدت عليها، وعثر على بعض اللقى الأخرى منها فأس برونزية مازالت آثار مقبضها الخشبي باديةً على الفتحة من الداخل. وهناك مشابك برونزية لها أكثر من نوع بعضها له عقب رماني بشكل أثلام غائرة أفقية، ومسلات مثقوبة في الوسط، وخاتمان برونزيان لم تغلق نهايتاهما ولهما طرفان حادان، كما عثر على بعض الحراب البرونزية ذات الكتف العريض والنصل المحزز، في حين كانت لقى المدفن الثاني أواني فخارية تميز الكثير منها بالنعومة ودقة الصنع والشكل المميز، وبشكل خاص الإناءين الحلقيين، ورأس حربة برونزية، وعدة خرز من العقيق، وبعض المشابك البرونزية المشابهة للمدفن الأول، هذا النوع من الأسلحة التي تتضمن خناجر، وفؤوساً ورؤوس سهام هو ما يميز فترة البرونز الوسيط الثاني، حيث ظهرت مثل هذه الأدوات في عدد من المواقع شمالي وغرب سورية مثل "إيبلا" و"أوغاريت" و"جبيل"، ووجدت في وسط سورية في "السلمية" و"قطنا" و"يبرود"، وكذلك في منطقة الجنوب».

بعض المكتشفات الفخارية

وتحدث الدكتور "عمار عبد الرحمن" مدير "مركز الباسل" للدراسات والبحوث الأثرية عن الأهمية التاريخية والتوثيقية لموقع "حينة" فقال: «إن الفترة التاريخية التي تعود إليها مدافن الموقع تشير إلى التطور السوري في عصر البرونز الوسيط بظهور عدة ممالك منها "أوغاريت" و"آلالاخ" في الشمال، وما يميز الموقع وجود مدافن آمنة حوت أكثر من مئتي قطعة فخار وزجاج على حالتها الأصلية وهو ما أرخ للعصر الذي تعود إليه المدينة التي لم يعثر عليها بعد بل على عدة مدافن في منطقة قريبة منها تعود لعدة عصور تمتد بين البرونز الوسيط حتى العصور الكلاسيكية».