تولد المدن عند توافر عدد من المقومات، تساعدها على النمو والبقاء، و"دمشق" أقدم عاصمة مأهولة بالسكان؛ استطاعت البقاء تاريخياً بفضل عدة عوامل تجارية ومناخية وجغرافية، ولتوافر المياه والغطاء الأخضر الذي حافظ على "دمشق" وأحاط بها كالأساور، وها هو الغطاء الأخضر الذي كان يحيط "دمشق"، أصبح عبارة عن مجموعة من الحدائق.

وجود الحدائق في أي مدينة، ينعكس على المدينة وسكانها في جوانب عدة، صحية وجسدية ونفسية وذوقية، كما تظهر هذه المساحة الخضراء في التشكيل البصري للمدينة كمفردات تريح العين وتنقي الهواء من الانبعاثات اليومية، الناتجة عن وسائط النقل وغيرها، فالسيد "أحمد أيوب" اعتاد الذهاب إلى "حديقة تشرين العامة" بصحبة زوجته وأولاده كل أسبوع تقريباً، ليقضي بعض الأوقات مع أطفاله "محمد" /9/ سنوات، و"رغد" /7/ سنوات، ويتقصد اللعب معهم في الأحواض المزروعة، ويبرر ذلك بالقول:

إن وجود الفراغات الخضراء يساعد المواطن على التأمل واستشعار جمال الفصول الأربعة

«الحديقة تكسر الروتين الذي نعيشه، وتؤمن الراحة النفسية، وتشكل كذلك متنفسا حقيقيا لي ولأولادي، خاصة أننا نقطن في "حي المجتهد" حيث الازدحام والهواء الملوث ينعكس ويؤثر سلباً على صحتنا، فألجأ إلى الحديقة التي لا تشكل علينا تكلفة مادية تذكر، وأحاول أن تكون زيارتي في الصباح الباكر يوم الجمعة إلى وقت الظهيرة».

حدائق بين المباني السكانية- من معالم العمرانية الحديثة لدمشق

هل زيارة الحدائق والمتنزهات الخضراء تعتبر مجرد نشاط ترفيهي وكسر للروتين الذي يفرضه واقع المدينة؟ أم لها فوائد أخرى؟

للإجابة عن هذا التساؤل موقع "eSyria" التقى بتاريخ 22/8/2010، الدكتور "حسان ابراهيم مصطفى" اختصاصي أنف وأذن وحنجرة، والذي حدثنا عن الأثر المباشر للبقعة الخضراء على طبيعة سكان المدن بقوله:

االحدائق كانت داخل البيت الدمشقي القديم

«الحدائق الخضراء هي متنفس للمدينة وتشكل ما يمكن تشبيهه بالرئة بالنسبة لها، ودون رئتين لن يستطيع الجسم إكمال حياته، ومن هنا كان لانحسار "المساحات الخضراء" أثر سلبي على مدينة "دمشق"، وعلى حياة سكانها، فغدت ساعات النوم لا تكفي قاطني المدينة، ويلاحظ على سكانها الخمول عند الاستيقاظ، وهذا يعزى لنقص كمية "الأوكسجين" الموجود في الهواء، وبالتالي عدم اكتفاء الدماغ وأجهزة الجسم بعملية الأكسجة الحاصلة، لذلك يجب على المواطنين زيارة المناطق الخضراء من حين لآخر وبفترات متقاربة، لما لذلك من أثر يفيد بتنشيط "خلايا الدماغ"، كما تساعد هذه الزيارات على إنعاش الجسم وتعيد له الحيوية وتزيد من نشاطه».

عرفت "دمشق الفيحاء" عبر التاريخ بالغوطتين اللتين كانتا تحيطانها كالأساور، ولكنها "دمشق" كسرت هذه الأساور، وغدت الجنان التي كانت تغطيها عبارة عن بعض الحدائق العامة، وقليل من الفراغات الخضراء بين مبانيها الأسمنتية، السيد "بشار بسطاطي" مدير "مديرية الحدائق" في محافظة "دمشق" أشار لموقع "eSyria" إلى أن المساحات الخضراء الموجودة في مدينة "دمشق" تقدر بـ/2430/ دونماً، تحدث عنها الأستاذ "بشار" بقوله:

الحدائق العامة بعد إزالة الأسوار عنها

«تضم مدينة دمشق عدداً من المساحات الخضراء خصصت كحدائق، هذه الحدائق تنقسم إلى قسمين، القسم الأول يتألف من حدائق صغيرة مغلقة، تزرع ببعض الأشجار والشجيرات، وتقع- هذه الحدائق- غالباً بين الأبنية السكنية، ويمكن ملاحظتها في عدة أحياء، مثل "برزة" و"الزاهرة"، و"ركن الدين"، ويبلغ عددها /774/ حديقة، وبمساحة إجمالية تقدر بـ/1048/ دونما، والقسم الثاني يتألف من حدائق كبيرة مفتوحة ومجهزة لاستقبال الرواد، يبلغ عدد هذا النوع من الحدائق /175/ حديقة، بمساحة إجمالية تقدر بـ/1382/ دونما، كما تحتوي "دمشق" عدداً من المساحات الخضراء وجدت بهدف تزيين العقد الطرقية ولكن بعض المواطنين يرتادونها بقصد التنزه والترفيه».

كثير من زوار الحدائق يقصدونها للحصول على الهواء النقي والتمتع بالنسيم العليل، ولكن يخطئ بعض الزوار باختيار الوقت أحياناً، فيذكر الدكتور "حسان مصطفى" أن أفضل الأوقات للذهاب إلى الحدائق هو عند ساعات الصباح الأولى أو فترة بعد العصر، ويضيف بقوله: «من الخطأ الذهاب إلى المنتزهات والحدائق العامة مساءً أو البقاء داخل المنتزه ليلاً وحتى بزوغ الفجر، إذ إن التنزه في هذا الوقت تحديداً لا يحقق الفائدة المرجوة منه، فكما هو معلوم، فإن الأشجار في الليل لا تعطي الأوكسجين بل على العكس تماماً».

«الحدائق متعة للأنظار وراحة نفسية من صخب المدينة». هذا ما قاله السيد "بسام غزال"- موظف- وأضاف: «أشعر بالطمأنينة عند دخولي للحديقة المجاورة لمكان عملي، وأتمنى أن يراعى وجود الحدائق ومساحات خضراء عند تنظيم وتخطيط مجمعات سكنية جديدة في "دمشق"».

«إن وجود الفراغات الخضراء يساعد المواطن على التأمل واستشعار جمال الفصول الأربعة» بهذه الكلمات عبر السيد "مؤيد سبيناتي" عن أهمية الحديقة في المدينة المزدحمة، أما الدكتور "مصطفى" فقد أشار إلى أن الدراسات تؤكد أن "اللون الأخضر" هو لون مريح للنفس والأعصاب، ويفيد في خفض التوتر العصبي وحتى تخفيف "القرحة الهضمية".

الحاجة لوجود مساحة خضراء في حياتنا اليومية نبهت الكثير من الجهات الرسمية والأهلية لضرورة الحفاظ على المساحات الخضراء الموجودة في "دمشق" والاهتمام بزيادة وعي المواطن والعمل على تفعيل النشاطات التطوعية البيئية، ومن جهات المجتمع المحلي نجد أن منظمة "الهلال الأحمر العربي السوري"- على سبيل المثال- أطلقت بتاريخ 6/10/2010 مشروع "إعادة إحياء الحدائق المهملة" حيث كان يعتنى بهذه الحدائق عبر /3/ مراحل، تبدأ المرحلة الأولى بتنظيف كامل الحديقة المستهدفة، ومن ثم تغرس الحديقة بعدد من الغراس في المرحلة الثانية، أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة "الري" والعناية الدورية بالحدائق التي تم العمل عليها.

السيد "إياد شاهين"- عامل في حديقة "شكو" في "حي ركن الدين"- يقول إن الأعمال التطوعية التي بدأت تتزايد في السنوات الثلاث الأخيرة انعكست ايجابياً على الحديقة التي يعمل بها، وأضاف قائلاً: «وجود الحدائق شيء هام، لكن الاهتمام بنظافتها ورونقها هو الأهم، وتصعب المهمة عندما تكون مساحة الحديقة كبيرة، ولكن وعي رواد الحديقة يساعدنا بشكل كبير على العناية بالحديقة، واتجاه نحو الاهتمام بالورود وتقليم الأشجار بعد أن كان جهدنا يذهب على تنظيف الحديقة فقط».

يشار إلى أن محافظة "دمشق" بدأت في عام /2009/ بإزالة الأسوار الحديدية والرخامية التي كانت تحيط بحدائق "دمشق" ومساحاتها الخضراء، وذلك ضمن الجهود التي تقوم بها لتحسين المشهد البصري في المحافظة، السيد "فيصل سرور" عضو المكتب التنفيذي في محافظة "دمشق" وعضو لجنة "التلوث البصري" في المحافظة أكد أن "محافظة دمشق" تتجه نحو التخلص من كل الأسوار المحيطة بالحدائق/ وأضاف بقوله: «رغم بعض الممارسات التي مازلنا نرصدها اتجاه الحدائق في "دمشق"، إلا أن وعي المواطنين اتجاه الحدائق ازداد في الآونة الأخيرة، وكذلك تنوعت الجهود التي تقوم بها الجمعيات ومنظمات المجتمع المحلي للحفاظ على الحدائق وتجميلها في "دمشق"».

الجدير بالذكر أن "وزارة الإدارة المحلية" قامت بدراسة استندت إلى صورٍ فضائية التقطت من عام /1988/ وحتى عام /2007/، في عدد من المحافظات السورية- ومنها "دمشق"-، أظهرت ازدياد المساحات المبنية في تلك المدن على حساب المساحات الخضراء، فكانت نسبة نمو الوسطي للمساحات المبنية خلال /19/ عاماً هو /46%/، بينما نقصت المساحات الخضراء بمعدل /22%/ في المجمل.