المسحراتي هو الشخص الذي يتبرع بإيقاظ الصائمين في الليل للبدء بالتحضير للسحور، ويستخدم المسحراتي في ذلك طبلة تعرف بـ "البازة"، إذ يُمسكها بيده اليسرى، وبيده اليمنى سيراً من الجلد، أو خشبة يُطبل بها في رمضان وقت السحور.
موقع "eSyria" بتاريخ 23/8/2010 التقى الأستاذ والباحث في التراث "غفران الناشف" ليحدثنا عن "المسحراتي" في ذاكرة الدمشقيين.
دمشق القديمة كانت تعتمد على مسحر واحد يقف على منطقة مرتفعة مثل "تل النجارين" ويقرع طبلاً كبيراً تتجاوب أصداؤه في أقاصي المدينة، حيث ازداد عدد المسحرين بعد التوسع العمراني وانتشاره خارج السور اليوم ولمسافات طويلة
عن استقبال أهل "دمشق" للمسحراتي يقول: «كان أهل "دمشق" يستقبلون المسحر بالفرح والترحيب، كيف لا وهو الذي يبشرهم بقدوم شهر الخير، يحتفظون له بأفخر أنواع الطعام، يعطونه الحلويات "البرازق والغريبة" عندما كان يطوف عليهم يهنئهم في ليلة النصف من شعبان، وليلة الإسراء والمعراج، ومباركاً بقدوم شهر رمضان، كما يهدون إليه المعمول "بالجوز والفستق" ليلة عيد الفطر السعيد مع عيدية النقود، ولا ينسونه من عيد الأضحى المبارك عقب صلاة العيد».
عن المثل الذي يقول "مثل سلة المسحر" يقول "غفران": «كان المسحر أيام زمان يبدأ طوافه قبل الإفطار بساعتين حاملاً طبلته، وفانوسه وسلته التي يُجمع فيها ما يُسكب له من طعام، وما يهدى له من الحلويات، فتختلط نوعيات الطعام المسكوب لتؤلف كوكتيلاً غير متجانس "الحلو فوق الحامض"، ولدى الدمشقيين تشبيه بقول "مثل سلة المسحر"، هذه الغنيمة الدسمة يتناولها مع أولاده ويهب معظمها للفقراء وذوي الحاجة عند الإفطار».
يتابع الأستاذ "غفران" فيقول: «الحديث عن المسحر ذو شجون، حيث تسرح بنا الذاكرة إلى تصرفات طفولية وأفعال بريئة مع المسحر، نركض خلفه فرحين بقدومه مرددين "يارمضان غيّرت الطبيعة، السن صغيرة والرقبة رفيعة"، فيبتسم المسحر ضاحكاً بما عرف عنه من سماحة الخلق وسعة الصدر وطيبة القلب، وقناعة بما يرزقه الله من هذه المهنة الثوابية، يجلسنا القرفصاء ويقرع طبلته منشداً:
"عالبرغوت معاني
عشعش بآذاني
مسكت البرغوت وفركته
حسيتو مات وتركته
عنفظ وجاب أولاد أخته
ولاد أخته هالشجعان
عشرة طبلوا بالمطبال
عشرين زمروا بالمزمار
هبّوا عليّ شعلة نار
رأصوني جدياني".
فرمضان من دون المسحر ليس له طعمة، هو فاتحة الخير في هذا الشهر الفضيل، ننتظره بشوق المحبين وننادي بعضاً ونركض إليه ونسير وراءه بموكب طفولي نطلب منه بإلحاح بريء ونسترضيه لينشد لنا مع الطبلة:
"كان عندي قطة حمرة/ على أيديّ مربيها
مربيــها لــيــوم الحــزة/ يوم الحزة بلاقيها
أصــل أبــوها من المزة/ ويفرس مايادل فيها».
يتابع: «نعم كبرنا ومازلنا نحلم ببراءة صاحب الصوت الذي طبع في عقولنا أثراً لا يمحى وفي قلوبنا فرحة مستمرة إلى يومنا هذا بكل ما هو بسيط وجميل، فهو شخصية تراثية محببة للكل، وخاصة لنفوس الأطفال، كما أنه تارة يسايرنا وتارة ينهر المسيء منا، وأخيراً يشكونا لأهالينا بدعابة المحب ومتمنياً لنا الخير والسلامة بآن واحد، بقوله:
"صارلي ثلاثين سنة سهارى/ وأنا اتكعتل بالحارة
أولادكــم أروشــونـي / حـيـطـانكـم طـرفحـوني
بالرز بحليب غسلوني/ ومن المعمولات لا تنسوني
هاتوا الدفاتر وحاسبوني/ كل سنة وأنتم سالمين
وأولادكم بخير سالمين / أحياكم الله لكل عام».
لقد سكن المسحر كتب التاريخ بطرافته وحسن أخلاقه، عن ذلك يقول الأستاذ "غفران": «من كتب الأدب والتاريخ نقطف هذه الطرفة، قيل إن "ابن نقطة" كان مسحراً أيام "الخليفة ناصر"، الذي كان يطرب له، وكان لابن نقطة ولد، فلما مات أبوه أراد هذا الغلام أن يعرف الخليفة بموته، ليجزيه على مفروضه، فتعذر عليه ذلك، وخلال دخوله شهر رمضان أخذ أتباع أبيه من المسحرين ووقف تحت القصر وأنشد بصوت رقيق أصغى إليه الخليفة وطَرِب له، وكان أول ما قاله:
"يا سيد السادات / لك في الكرم عادات
أنا ابن أبو نقطة / تعيش انت أبويا مات".
فأعجب الخليفة من هذا الإنشاد، واستحضره وخلع عليه وفرض له ضعفي ما كان لأبيه.
فلهذه المهنة الثوابية مواقف طريفة كانت تحدث أيام زمان؛ حيث يختبئ بعض الشباب في زاوية مظلمة بالحارة وبأثواب غريبة كالأشباح يفاجئون المسحر كالعفاريت، وأحياناً يهاجمه كلبٌ ويمزّق ثيابه، وفي ليلة عاصفة انطفأ فيها الفانوس دخل المسحر إلى زقاق ضيق مسدود فإذا به يصطدم بالحائط، وأيام الحكم الفرنسي توقفه دورية عسكرية لتفتيشه فيتفاهم معها بلغة الطبلة».
أما عن أسماء المسحراتي ومراتبه فيخبرنا السيد "غفران" قائلاً: «كان لكل مسحر مهنة بسيطة وخاصة يعمل بها طوال أيام السنة، فهذه المهنة متوارثة، وهذا ما يفسر لنا إحضاره لطفل معه أثناء طوافه، وذلك ليتعلم الولد أصول المهنة وآدابها وليتعرف عليه أهالي الحي، والغاية الأهم هي تحفيظه المدائح النبوية والدعابات مع الأطفال، وعلى غرار ما كان لسائر الصناعات والحرف الدمشقية بما يسمى "شيخ الكار" كان لهذه المهنة أشبه بنقابة مهنية أو جمعية حرفية، حيث يأتي بالمقدمة "شيخ الكار" وهو أعلى المسحرين مرتبة وله سلطة معنوية، كما يكنّ له جميع المسحرين الولاء ولمنصبه الوراثي، يحلّ الخلافات فيما بينهم يحاسب المسيء أو المقصر منهم، ويأخذ من كل مسحر مبلغاً من المال يسمى "عرق أخضر"، أما "النقيب" فهو نائب "شيخ الكار" يقوم بدورية التفتيش على المسحرين، يسأل حارس الحارة والأهالي عن أخلاق المسحر ومعاملته، وفي حال التقصير تفرض غرامة مالية تسمى "الحق" يولم بها على بقية المسحرين، وهناك "الشاويش" الذي يبلغ للاجتماع مع "شيخ الكار" ويتقاضى نصف ما يتقاضاه "شيخ الكار"».
أما السيد "عبد القادر النويلاتي" من أهالي "دمشق القديمة" فيقول: «كان المسحر يأتي قبل الفجر بساعتين يشدو بصوته العذب وإيقاعه المنتظم على الطبلة والروح السمحة والنفس الوادعة، يشدو بكلام من تأليفه فيقول:
"أيها النوام قوموا للفلاح/ واذكروا الله الذي أجرى الرياح
إن جيش الليل قد ولى وراح/ وتدانى عسكر الصبح ولاح
اشربوا عجالى قد جاء الصباح".
وبعد يوم العشرين من رمضان يبكي الصائمون على هذا الشهر، ويبدأ المسحر بتوديع شهر البرِّ والغفران، بقوله:
"شهر رمضان قد عزم الرحيل/ ما بقي منه إلا القليل
نسأل الله مولانا الجليل/ يحييكم لكل عام
فودعوا شهركم وقولوا له/ يا شهرنا هذا عليك السلام".
هذه الكلمات المتواضعة بحق هذا الإنسان غيض من فيض، فالمسحر وطبلته صنوان لا يفترقان، كلماته كالظل تلازمه، وبمجرد ذكر المسحر أمام الدمشقي، يجول في خاطره ذكريات من أقواله الجميلة ونوادره البسيطة».
ويذكر الأستاذ "منير كيال" في كتابة "رمضان وتقاليده الدمشقية" عن وجود مسحر وحيد لدمشق القديمة: «دمشق القديمة كانت تعتمد على مسحر واحد يقف على منطقة مرتفعة مثل "تل النجارين" ويقرع طبلاً كبيراً تتجاوب أصداؤه في أقاصي المدينة، حيث ازداد عدد المسحرين بعد التوسع العمراني وانتشاره خارج السور اليوم ولمسافات طويلة».
