لم يتصور الشاب "عبد الله أسامة المالكي" الذي أراد أن يلتحق "بالكلية العسكرية" بعد نيله الشهادة الثانوية في "دمشق" عام /1948/، أن يتقاعد عام /2008/ بمنصب "مستشار اقتصادي" في "مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي".

فهذ الشاب الذي ولد في ربوع "دمشق" عام 1931، نال الشهادة الثانوية في مدرسة "التجهيز الأولى للبنين"، ودفعته غيرته الدينية والوطنية إلى تقديم أوراق الانتساب إلى صفوف الجيش العربي السوري، عندما أعلن عن قيام دولة الاحتلال "الصهيوني" على أرض "فلسطين"، ولكن مرضاً مؤقتاً في عين "أسامة" – الاسم الذي ينادى به بين أهله - منعه من بلوغ مراده، فدخل "كلية الحقوق" في "جامعة دمشق"، التي لم يكن فيها إلا كليتي "الطب" و"الحقوق"، وخلال دراسته أخذ يساعد أهله في العمل، وفي عام /1953/ تخرج من "كلية الحقوق" ونال شهادة اختصاص في "العلوم المالية والاقتصادية" وكان هذا الاختصاص بوابة الحقوقي "المالكي" إلى دراسة علم الاقتصاد.

موقع "eSyria" زار المستشار "المالكي"، الذي حدثنا عن مسيرته في علم "الاقتصاد" والتي بدأت عندما عيـّن عام /1954/ في "مجلس النقد والتسليف"، المكلف بتأسيس "المصرف سورية المركزي"، وعندما أسس المصرف عام /1956/ شغل "المالكي" منصب "رئيس قسم الأوضاع المصرفية".

عبد الله أسامة المالكي

ومن هناك أوفد إلى الولايات المتحدة عام /1957/ للقيام بدورة في مقر "مجلس النقد الدولي" في مدينة "واشنطن"، وأثناء الدورة التي امتدت حوالي العام، أبلغ عبر الهاتف أن الاختيار وقع عليه لنيل شهادة الماجستير في اختصاص "الاقتصاد" في جامعة "جورج واشنطن"، فكان يومه هناك مقسم بين حضور الدورة في أروقة "مجلس النقد الدولي" وبين التحضير لرسالة الماجستير، بالإضافة لسهره الساعات الطويلة لردم الفجوة اللغوية التي اعترضته هناك، فالمناهج والمعلومات لم تكن فقط باللغة الانكليزية، ولكنها تغوص في مصطلحات الاقتصاد النادرة، وكل هذا كان يحتاج لمثابرة وجهد مضاعف.

بعد اجتياز "المالكي" دورة "مجلس النقد الدولي" تفرغ لنيل شهادة "الماجستير"، ولكنه فوجئ بقرار من "المصرف المركزي" تخبره أن عليه نيل شهادة "ماجستير" ثانية في اختصاص جديد هو "الإحصاء"، ولكنه فضل في عام /1961/ التحاق بجامعة "بنسلفانيا" في كلية الدراسات العليا للعلوم والفنون في مدينة "فلادلفيا"، ونيل إجازة الدكتوراه في "الاقتصاد التطبيقي" أو "Business and Applied Economics"، وكان هذا الاختصاص نادراً في البلدان العربية وحتى الغربية.

المستشار

خلال السنوات الثلاث التي قضاها في جامعة "بنسلفانيا"، اطلع "أسامة المالكي" على الكثير من الدراسات والنظريات الاقتصادية، واجتاز كافة اختبارات إجازة الدكتوراه بنجاح، وقبل تقديمه أطروحته بدأ "المالكي" فصلاً جديداً من حياته وهو التدريس الأكاديمي في كلية "بابسون" للإدارة الأعمال في مدينة "ولزلي" ولاية "ماساتشوستس"، وخلال هذه الفترة التي امتدت من عام /1964/ إلى عام /1971/، تزوج "أسامة المالكي" من فتاة دمشقية من اختيار والدته تدعى "أميمة الشريف"، ورزق هناك بثلاثة أولاد.

خلال تواجده في الولايات المتحدة الأميركية اعتبر مصرف سورية المركزي السيد "أسامة المالكي" متخلفاً عن العودة إلى وظيفته، فهو ضمن الأوراق الرسمية أنهى سنوات الإيفاد وتأخر في العودة إلى عمله، ولكن بعد قيام الحركة التصحيحية في "سورية"، صدر عفو عن المتخلفين في الإيفاد وسمح لهم بالعودة إلى وطنهم، فعاد "المالكي" مع زوجته إلى "دمشق" عام /1972/، بعد خمسة عشر عاماً قضاها في الولايات المتحدة الأميركية تنقل خلالها بين أشهر مدارس وكليات العلوم الاقتصادية، ونال خلالها رتبة "أستاذ مساعد" أو "Assistant Professor of Statistics" في اختصاص الإحصاء.

في مكتبه

اشترط مرسوم "العفو" أن يعود الموظف إلى مؤسسته التي كان يعمل بها، ويشغل نفس المنصب الوظيفي الذي أوفد منه، فأوكلت للسيد "أسامة المالكي" مهمة معاون رئيس قسم البحوث والدراسات في "المصرف المركزي" - المنصب شغله قبل إيفاد الأول عام /1957/ - ويعتبر هذا المنصب لا يتلاءم وخبرات "المالكي" الاقتصادية الدقيقة، ولكن بعد مدة زمنية بسيطة، نشأت علاقة جيدة جمعت "المالكي" مع حاكم المصرف السيد "نصوح الدقاق"، وأصبح يرافقه في جولاته الخارجية وخصوصاً عندما يسافر لحضور اجتماعات "صندوق النقد الدولي"، "فالمالكي" كان في ذلك الوقت من الموظفين القلائل الذين يتقنون اللغة انكليزية ويدركون مدلول المصطلحات الاقتصادية النادرة المتداولة في تلك الاجتماعات، واعتبر صلة الوصل بين "مصرف سورية المركزي" و"صندوق النقد الدولي".

في هذه المرحلة بدأ السيد "أسامة" بإدخال نظام التدريب إلى أروقة "المصرف المركزي"، وقام بتحضير عدة دورات تأهيل مسائية لتحفيز الموظفين العاملين وإعدادهم ليقوموا بواجبهم الوظيفي على الوجة الأمثل وشارك بوضع الأنظمة الأساسية "لصندوق النقد العربي".

في عام /1975/ أوفد إلى "الولايات المتحدة الأميركية" مدة شهرين للالتحاق بدورة للإعداد "ميزان المدفوعات" في "صندوق النقد الدولي"، ومن هناك تم استيداعه للعمل في مقر "البنك الدولي" في "واشنطن"، وفيه عمل "المالكي" "كاقتصادي دولة" " Country Economist"، وبقي هناك ثلاث سنوات زار فيها عدة بلدان منها "أفغانستان"، "تونس"، "اليونان"، و"السعودية"، وعاد من استيداع عام /1978/.

بعد عودته شغل "المالكي" منصب "أمين السر العام "لمصرف سورية المركزي"، وأمين سر مجلس "النقد والتسليف" بالإضافة إلى منصب "مدير جهازي التخطيط والإحصاء" في المصرف المركزي.

وفي عام /1980/ أنشئ "المصرف المركزي" لدولة "الإمارات العربية المتحدة"، وطلب من "المالكي" المشاركة والعمل في هذا المصرف الحديث بصفته "خبيراً اقتصادياً"، فعمل في ذلك المصرف من عام /1981/ إلى عام /2008/، أسس خلالها "مركز المخاطر" في المصرف في عام /1982/، وفي نفس العام أعد أول تقرير سنوي للمصرف المركزي الإماراتي باللغة العربية، وساهم بصورة أساسية في كتابة "مشروع قانون سوق الأوراق المالية" في دولة الإمارات عام /1983/، قبل أن يشارك في الصياغة النهائية لذلك القانون عام /1999/، وبعد سبع وعشرين سنة تقاعد السيد "عبد الله أسامة المالكي" بمنصب "مستشار اقتصادي" في المصرف المركزي لدولة الإمارات".

خلال مسيرته الغنية قدم "المالكي" ما يزيد عن /130/ دراسة تتعلق باختصاصات اقتصادية متعددة تشمل "اقتصاد الكلي"، "السياسة النقدية"، "السياسة المالية" ودراسات متخصصة عن الأسعار بما فيها "أسعار الصرف" وغيرها.

كما حضر السيد "أسامة المالكي" العديد من الاجتماعات السنوية "لصندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي"، والطريف في الأمر أنه حضر هذه الاجتماعات بصفته موظفاً في تلك المنظمات أو مندوباً عن مصرفي "سورية" أو الإمارات المركزيين، مما جعله من الوجوه والشخصيات المعروفة على المستوى الدولي، و"للمالكي" كذلك مشاركات عدة في اجتماعات "مجلس محافظي المصارف المركزية الخليجية"، واجتماعات "اتحاد البورصات والأسواق المالية العربية"، وغيرها من المؤتمرات العربية والعالمية الأخرى.

أما على الصعيد العائلي فللسيد "أسامة" خمسة أبناء؛ كيميائية وأربعة مهندسين ثلاثة منهم حصلوا على شهادة ماجستير في اختصاصاتهم، فإبنه البكر "خالد" مهندس كيميائي، أما "رامز" فهو مهندس الكترون، والمهندسان الباقيان هما ابنتيه "رولا" مهندسة ميكانيك، و"نور" مهندسة صناعية، أما الكيميائية فهي ابنته "ريم".