هو الآن يتمنى لو تحدث معجزة ويجدها جالسة على طاولة في الركن الداخلي من مقهى الروضة. ضحك من أحلامه ومن سذاجتها وهو يجتاز العتبة ويدخل إلى الصالة. كان صفوان الحمود يشعر بمتعة نادرة وهو يحتسي قهوته متوقعاً أن يدخل في أية لحظة أحد أصدقائه أو معارفه، ولأنه لا يملك ساعة يد لم ينتبه لمرور الوقت، فقد تعود في سني سجنه أن تكرّ الدقائق والساعات والأيام والشهور والسنوات متشابهة لا تستحق أن يبذل جهد في إحصائها.

وها هو ذا يستيقظ من نشوته الساذجة على صوت الرجل الذي نقر باب غرفته في فندق"زهرة الشرق" هذا الصباح: أستاذ "صفوان" قلت لك من قبل، عليك أن تراجع الدائرة اليوم قبل الظهر.



- كان "على محمد" أن يتحرر من الزلزال الذي حرمه الراحة والنوم وحتى الطعام. وكان يشعر أن المرارة تكبر في داخله، وتكبر. وأن الشعور بالإهانة تجاوز حدود السيطرة، ورغم أنه لم يتوصل إلى اختيار الضحية على نحو يروي عطشه للانتقام إلا أنه اختار أخاه محمداً، وقرر أن ينفِّذ ما عزم عليه بعد أن تذهب العشيرة في النوم العميق.

عندما دخل "محمد" إلى الخيمة الكبيرة ميّز فراش والده، وفراش زوجته، وابنها إلى جانبه. شدّ يده على خنجره المسموم واندفع كالصاعقة العاتية نحو أخيه، غير أنّه في اللحظة الأخيرة وجد نفسه يطعن والده بوحشية تكفي لقتل الناس جميعاً.



- ها هو ذا في السبعين من عمره يقف على قبرها الطري، ويتساءل: لماذا لم تغضب منه؟ لماذا لم تخبر والديها؟ أو والديه بمضايقاته المتكررة؟ بل لماذا كانت تبحث عنه إذا تأخّر في زيارتها؟ هل كانت ترغب في أن يراها عارية، وتراه عارياً؟ لقد كانا طفلين، كبرا معاً حتى نهاية مرحلة الدراسة الثانوية. وخلال تلك الفترة الطويلة لم يحدث أن حاول رؤيتها عارية، ولم تحاول. لم يذكر لها حادثة بيت التبن، ولم تذكّره بها. لم يتزوّج، ولم تتزوّج هيفا. وفي لقاءاتهما العابرة كان يسألها: لماذا لا تتزوجين يا هيفاء؟ فترد عليه ضاحكة: ولماذا لا تتزوّج يا سعيد؟ ولكنها غيّرت جوابها بعد الستين من عمرها، فقد صارت تمازحه قائلة: أنتظرك يا سعيد!

وها هو ذا "سعيد خضور" يقف وحيداً على قبرها الطري، يبكي بكاء صامتاً حارّاً، ويشعر بقوة أنه يرغب في أن يراها الآن وهي في القبر عارية تماماً، وأن يتمدد فوقها عارياً كما خلقه الله.

- كان يقف متكئاً على جذع صنوبرة عملاقة، وكانت تقابله متّكئة على الجذع الشقيق للصنوبرة. هو يتأمل وجهها بشغف، وهي تطرق وتركز نظرها بين قدميها. مرت دقائق طويلة لا يعرف عددها، وهي لا تعرف، خرج من صمته وسألها متلعثماً: أليس جميلاً أن يحب الإنسان؟ ردت عليه سائلة: ما رأيك أنت؟ أجاب كمن عثر على كنز: جميل جداً. قالت له: إذا لماذا تسألني؟. وقبل أن تجف الكلمة الأخيرة على شفتيها، تقدم وطبع قبلة خفيفة على خدها. انفجرت ضاحكة، وانطلقت تجري بين أشجار الغابة الواسعة.

عودة