-لم نكن لنمل من تكرار الحكاية عشرات المرات فهنا تكتسي كل ذكرى قديمة أهمية كبيرة مهما كانت ضئيلة، ولامعنى لها في حياتنا الماضية. هنا، وقد فقدنا الثقة بكل مايحكى لنا عن رسالتنا المقدسة في هذه البقعة الجرداء من الكون. هنا حيث تنتظرنا العقوبات والنظرات الشيطانية المتثائبة لرجال لم تعد تربطنا بهم أية عاطفة طيبة. هنا تختفي تعاسات حياتنا السابقة عبر استعادتنا الذهنية لفردوسنا المفقود، ولأيامنا التي انقضت في النعيم قبل أن نقطف ثمرة البلوغ أو الوعي.



-يعلن الفجر حضوره عبر ذلك الخط الأحمر الذي يفصل سواد الليل عن ظلمة المساء. يشمخ الجبل الذي كنا نسير في أحد شعابه فيخفي خط الأفق حيث تنتثر القرى كأنها بقايا حرائق. يعود ثانية فيأخذنا إلى واحدة من القمم، ومن هناك يمتد أمام أبصارنا فضاء لاحدود لاتساعه. ظلمة تغري بالمسير. إلى أين والصباح يوشك أن يطلع فيفضحنا؟ والقرى التي اختنق جمر ضوئها وخمد تركب النسيم الذي يدفعنا نحوها وترحل.





-يخرج كل صباح كعادته، لشراء الخضار من حسبة تقسمه نصفين، واللحم من أبقار وخراف تتدلى من الدكاكين المواجهة لجامع الدّنا. يقف طويلاً أمام باعة الأحذية والبالة والخردوات والعصير والشاورما ثم يصعد إلى الجامعة العربية، أو يأتي منها، وهو يعرف أن الوقت لم يعد وقتاً.

كان يمارس الحياة حينما جاء القتلة. ولم يكن يعرف، وعندما عرف كان الوقت متأخراً. متأخراً جداً. ذلك أن السياسة كانت قد قالت لجيوشهم انتصري، فانتصرت.



-ماذا؟ أسمعك تهمس. أتريدني أن أراقبك حتى النهاية؟ طيب. لامانع لوقتي الصحراوي. ولكن عليك أن تكون ريحاً لأنني في عجلة من أمري. فعليّ أن أوقف بعض الكثبان. عليّ أن أمنح الصلابة للرمال المتحركة. أن أفعل شيئاً كي أختصر المكان الممتد إلى مالانهايتي.. أتقول بأنك انتصرت؟ أمن أجل ذلك ترفع النخب الوردي؟

الآن أقول كفى. لاتفعل أكثر من ذلك. فأنا أرجوك. أتوسل آخر ضلع في صدرك. فلكي تشرب علينا أن نرقص سوية. لكي تنتصر عليّ أن أشعر بالنشوة أنا الآخر. ولكي تضحك عليك ألا تبكيني. لأنني أدخر دموعي لساقية تبدأ وتنتهي في عيني. كما يتساقط سوادهما.



-إنك تضحك محصياً عظام صدري. حسن إنني نحيل هكذا لأنني اللهيب الذي يضيء انتصارك وأنت تعلم ذلك. فقد سرقت مني النار، ولم تتركني إلا رماداً. إنني أعترف أنني لم أستطع إيقاف الزمن . فقد انهدم عليّ مدماكه الأخير، والذي فوقه، ولم يبق إلا أن ينفلع الأساس فأنهار عميقاً وبقوة من ذلك كله تدلق الكأس معلناً انتصارك، تاركاً للّعبة أن تمضي إلى نهايتها. فماالذي أفعله لأجلك؟ أأستدعي الأجداد من جلادين وأنبياء ومجذوبين كي يحكموا بيننا. أن أترك الجذر الذي مايزال بفصلني عن القاع. وهناك أعلن أنك دخان، وأنني أنتظر القمر الذي تحجبه؟

عودة