في مواجهة باب "قلعة حلب" الخارجي، تم بناء مبنى حكومي تاريخي هام، يعود لفترة الزنكيين، حيث كان داراً للعدل وقصراً لإقامة الحكام منذ مئات السنين ويسمى اليوم السراي.
حول هذا المبنى وتاريخه التقت مدونة وطن "eSyria" بتاريخ 6/5/2013 الدكتور "محمود حريتاني" مدير آثار ومتاحف سورية الشمالية، الذي تحدث بالقول: «"دار العدل" أو "قصر الحاكم" كان المركز الثاني في أهميته للسلطة الحاكمة في "حلب" وقد قام ببنائه "نور الدين زنكي" منذ العام 1189م، وذلك على بعد عشرات الأمتار من الطرف الجنوبي الغربي لمدخل "قلعة حلب"».
"دار العدل" أو "قصر الحاكم" كان المركز الثاني في أهميته للسلطة الحاكمة في "حلب" وقد قام ببنائه "نور الدين زنكي" منذ العام 1189م، وذلك على بعد عشرات الأمتار من الطرف الجنوبي الغربي لمدخل "قلعة حلب"
يضيف: «إن نصاً كتابياً هاماً في كتاب المؤرخ "ابن الشحنة" "الدر المنتخب" يزودنا بمراسيم الاحتفالات والمظاهر المرتبطة بوظيفة الحاكم المملوكي في "حلب" وتنقلاته في القرن الخامس عشر الميلادي، لقد كانت تلك الاحتفالات تجري تماماً بين "باب القلعة" و"دار العدل"، فإذا عين حاكم جديد كان عليه أن يأتي إلى أمام باب القلعة ويترجل عن جواده وبعد مراسيم دينية ورمزية يلعب حاكم القلعة خلالها دوراً هاماً فقد كان يمتطي حصانه ليدخل "دار العدل" حيث يستمع وهو واقف إلى قراءة توليته.
وفي كل يوم اثنين وخميس من الأسبوع وهي أيام الموكب كان الوالي يقف أمام القلعة دون أن يترجل ليشرف على توزيع الخيول والأراضي، وكان عليه أن يعلن لمواطنيه على الملأ أن يطمئنوا وأنه سوف يقيم العدل وحين يصل إلى "دار العدل" يقدم له مماليكه التشريفات وهم مترجلون ويصطفون لتقبل تحية الوالي، ثم يعبر الوالي الباب ليتقدم رئيس الحجاب وعصاه في يده ليرافق الوالي حتى الإيوان حيث سيجلس».
يتابع: «يبدو أن هذا القصر كان لفترة طويلة مقر إقامة الحاكم المملوكي وقد أجريت فيه كثير من التحسينات والتوسعات حيث كان يضم قسم الحريم /حرملك/ لإقامة عائلة الحاكم أو ممثله وحماماً لنساء الحكام ومطابخ وجامعاً كبيراً وصالات استقبال واجتماعات.
ومن الواضح أن أواخر حكام المماليك لم يقطنوا هذا القصر القديم الذي لم يعد مكان استقبال رسمياً فقد بنوا في أحياء أخرى قصوراً أكثر راحة وحداثة تلبي الرغبة بالعظمة والطموح الشخصي.
وحين جاء العثمانيون اتبعوا الطريقة نفسها فقاموا ببناء قصور جديدة أو أقاموا في قصور أسلافهم، أما السراي القديمة فقد بقيت مكاناً لقسم من مكاتب الولاية أو الإقامة الرسمية للباشا مع صالة للاستقبال إلى دمارها بسبب حريق أصابها خلال ثورة 1818م ثم بسبب زلزال العام 1822م.
بقي أن نذكر أن المبنى دعي في الفترة العثمانية بسراي الحكم /"قصر العدل"/ أو باختصار /السرايا/ وأخيراً "دار السعادة"».
الدكتورة المهندسة "نجوى عثمان" تحدثت عن المبنى بالقول: «يبدو أن دار الحكومة القديمة لم يعد كافياً لدوائر الدولة لذا فكرت ببناء دار جديدة في الجهة الجنوبية من "قلعة حلب".
يقول المؤرخ الحلبي الشهير "الغزي" في حوادث العام 1916م بوشر بتأسيس دار جديدة للحكومة تجاه باب القلعة باتصال "المدرسة السلطانية" من شرقيها، وقد وضع لها مهندس الولاية مصوراً دخلت فيه "المدرسة الغوثية" فهدمت عن آخرها ولم يبق لها أثر، ثم شقت الأسس وبوشر ببنائها على صفة متقنة، وقبل انتهاء بناء الأسس وقع الاستيلاء على "حلب" فبطل العمل به بعد أن صرف عليه مبلغ طائل.
وبعد أن استولت الحكومة الفرنسية على "حلب" في عام 1920م أستأنفت العمل في مبنى "السراي" ودشنه رئيس الحكومة السورية حينها "تاج الدين الحسيني" وذلك في العام 1930م.
وأغلب الظن أن المهندس الذي أكمل البناء أثناء الاحتلال الفرنسي لم يغير في مخطط المسقط الأفقي للمبنى واعتمد بشكل أساسي على المخططات التي وضعت في العصر العثماني فمخطط المبنى هو على شكل الحرف U وهو مشابه لمخطط "دار المعلمين" الذي بني في العام نفسه 1916م في "حي الميدان"، وقد وضع مخططه مهندس ولاية "حلب" كما أن تصميم الردهة التي تلي الباب الرئيسي وتصميم الدرج في صدر الردهة والذي يؤدي إلى الطابق الأول مماثل تماماً لما عليه في "دار المعلمين" وكذلك استعمال الحجر الصوري في المداميك السفلى في المبنيين وفوقه الحجر المنحوت».
وتختم حديثها بالقول: «إن دراسة لون الحجارة وطريقة البناء في القسم السفلي من مبنى "السراي" الحالي تجعلنا نعتقد بأن البناء في العصر العثماني توقف عند نجفات نوافذ الطابق السفلي وهي مختلفة عن نجفات الطوابق العليا، كما أن واجهات "السراي" تحمل سمات العمارة الإسلامية الحلبية الأصيلة وهي لا تشابه واجهات المباني التي أقيمت في فترة الانتداب الفرنسي».
