الظروف الطبيعية الملائمة للسكن التي وفرها "نهر عفرين" على مر التاريخ جعل حوضه يشهد بدايات الاستيطان البشري في هذه المنطقة.

للحديث حول هذا الموضوع وبتاريخ 25/1/2012 التقى موقع eAleppo الأستاذ "زكريا الحصري" دبلوم تأهيل وتخصّص آثار والذي عمل ضمن البعثة السورية- اليابانية التي نقبت في كهف "دودرية" الشهير في منطقة "عفرين".

وهناك موقع تل "عين دارا" الشهير المؤلف من التل الفوقاني ويضم المعبد الديني ومستودعات المؤونة والتحتاني وهو عبارة عن قرية زراعية يعود تاريخها إلى بدايات نشوء القرى الزراعية، بالإضافة إلى انتشار العشرات من التلال التي تمثل القرى الزراعية على طول مجرى النهر مثل تلال "طرندة" و"جنديرس" و"برج عبدالو" و"الغزاوية" و"النبي هوري" وغيرها وهي تلال يمكن اعتبارها من الألف السادس قبل الميلاد قبل أن تتطور الحياة فيها

يقول الأستاذ "زكريا": «حوض "عفرين" هو المنطقة الجغرافية المحاذية لمجرى "نهر عفرين" من لحظة دخوله الأراضي السورية وحتى خروجه إذ يبلغ طوله حوالي 150 كم، وقد شهدت هذه المنطقة بحسب المكتشفات الأثرية استيطاناً مبكراً للإنسان يعود إلى حوالي 100 ألف عام وتحديداً في كهفي "دودرية" الأول والثاني المجاورين للنهر والواقعين إلى الشرق من مجرى نهر "عفرين" بنحو 7 كم، ففي أحد هذه الكهف تم اكتشاف هيكل عظمي لطفل يبلغ عمره حوالي السنتين ينتمي للإنسان النياندرتالي وأهمية اكتشافه أنه فند الاعتقاد بأن ذلك النوع من الإنسان قد انقرض وأثبت بأنه يمثل الجد المباشر للإنسان وهو أصل الإنسان الأوروبي تحديداً.

إطلالة من كهف دودرية على حوض نهر عفرين

ومن مراكز الاستيطان البشري الأخرى في حوض "نهر عفرين" "تل الباسوطة" وهو عبارة عن تل صغير يقع بين بساتين القرية وحقولها وقد دلت الأسبار التي تمت فيه على أنه يعود إلى فترة حوالي 8000 عاماً قبل الميلاد وذلك بحسب الأدوات الموجودة فيه المصنوعة من حجر الصوان علماً أن تقنية صنع الأدوات من هذا النوع من الحجر الصواني يعود إلى تلك الفترة الزمنية».

وأضاف الأستاذ "زكريا": «وهناك موقع تل "عين دارا" الشهير المؤلف من التل الفوقاني ويضم المعبد الديني ومستودعات المؤونة والتحتاني وهو عبارة عن قرية زراعية يعود تاريخها إلى بدايات نشوء القرى الزراعية، بالإضافة إلى انتشار العشرات من التلال التي تمثل القرى الزراعية على طول مجرى النهر مثل تلال "طرندة" و"جنديرس" و"برج عبدالو" و"الغزاوية" و"النبي هوري" وغيرها وهي تلال يمكن اعتبارها من الألف السادس قبل الميلاد قبل أن تتطور الحياة فيها».

موقع عين دارا.. من أقدم القرى زراعية

وحول الشروط الطبيعية المتوافرة في منطقة حوض "نهر عفرين" والتي ساهمت في عملية الاستيطان البشري المبكرة قال: «هناك مجموعة من العوامل والشروط التي وفرها الحوض والتي كانت عنصراً جاذباً للإنسان للسكن فيه بل الاستمرار في استيطانه وإقامة حضارات قديمة ومن هذه الشروط: المياه التي وفرها النهر والمياه كما هو معروف هي شرط رئيسي لأي استيطان بشري في مكان معين، و"نهر عفرين" تبعاً لذلك وفر أسس قيام الحضارة والاستيطان لأن استمرارية الحياة تتطلب توافر المياه بكل بساطة.

كما يتميز حوض النهر بخصوبة تربته وبالتالي توفير الشرط الثاني الهام الذي تتطلبه استمرارية الحياة للإنسان عبر ممارسته للعمل الزراعي وتشير المكتشفات الأثرية في منطقة الحوض وجود دلائل على ممارسة الإنسان للزراعة في القرى الزراعية الأولى كتل "عين دارا" مثلاً كما تم اكتشاف أنواع مختلفة من مزروعات فيه مثل القمح والشوفان وغيرها».

الأستاذ مروان بركات

وتابع: «مناخ المنطقة عموماً معتدل بسبب قربه من البحر الأبيض المتوسط كما أن موقعها الجغرافي الذي يتوسط البحر المتوسط والأناضول /تركيا/ وميزوبوتاميا /العراق/ جعلها نقطة تلاقي الحضارات المختلفة والمتعددة وبالتالي ساهم هذا الموقع المتوسط بجعلها مركزاً للاستيطان البشري.

ومن تلك الشروط أخيراً توافر الحجر الصواني في منطقة حوض "نهر عفرين" والناتج عن عمليات جيولوجية قديمة، لقد كان لتوافر هذا النوع من الحجر أهمية كبيرة ومساعدة في عملية الاستيطان حيث اعتمد الإنسان عليه في صنع أدواته الزراعية وممارسة الزراعة والاستمرارية في الحياة والسكن، ومع تطور الزراعة لاحقاً ظهرت معاصر الخمر والزيت في المنطقة كما في قرى "براد" وغيرها».

وختم بالقول: «هناك نقطتان أود الإشارة إليهما في معرض الحديث عن دور "نهر عفرين" في حياة الإنسان في الحوض وهما أولاً: دور النهر في عملية إنشاء العشرات من الطواحين النهرية التي ساهمت بتوفير الطحين للإنسان وهذا الدور هام أيضاً في حياة الناس وبالتالي استمراريتهم في السكن في منطقة الحوض بشكل متواصل، وثانياً دور النهر في المعتقدات الدينية للقديمة للسكان فالمصادر التاريخية القديمة تشير إلى قدسية الأسماك في النهر وتحريم اصطيادها وأكلها، هذه القدسية موجودة إلى اليوم في الذاكرة الشعبية لأهل المنطقة فمثلاً ما زال الناس يحرمون اصطياد وتناول الأسماك في "نبع الباسوطة" الذي يصب في "نهر عفرين"».

الأستاذ "مروان بركات" وهو باحث في تاريخ منطقة "عفرين" يقول عن موقع "عين دارا" الذي يعد من أول القرى الزراعية في منطقة حوض "نهر عفرين": «كشفت الأعمال التنقيبية في موقع "عين دارا" بأن الإنسان عاش فيه منذ أكثر من 8000 سنة قبل الميلاد حين استوطن واستقر الإنسان في القرى الزراعية، هذا في التل الصغير الذي يقع في الطرف الجنوبي من التل الكبير وعلى مسافة 100م تقريباً أما في قمة التل الكبير فقد أكدت المكتشفات الأثرية بأن الأبنية فيه تعود إلى 4000 قبل الميلاد حيث إن القرية كانت مزدهرة خلال الفترات التاريخية المختلفة التي سبقت الميلاد كالحثية والحورية والميتانية والآشورية والميدية واستمرت فيها الحياة حتى العام 1086م وذلك عندما هزم الجيش البيزنطي من قبل السلاجقة الذين أحرقوا القرية البيزنطية بشكل كامل حتى لا يبقى لها أثر فيما بعد».