بعد أن عمل عند والده لمدة تجاوزت الخمسة والستين عاماً أصبح الحاج "ياسين قجة" مسؤولاً كاملاً عن إدارة محله في شارع "قبو النجارين" والذي يقع خلف أسوار "باب الحديد" في "حلب" وتحديداً إلى الطريق الواصل إلى قلعتها الشهيرة مروراً بمنطقة "البياضة".

الحاج "ياسين قجة" هو أحد أبناء هذه المنطقة حيث نشأ فيها وترعرع، فكانت ولادته عام /1932/م وعندما أصبح في سن العاشرة أصبحت الفرصة سانحة له لأن ينخرط في العمل وتعلم مهنة والده ألا وهي "الحدادة العربية" ومن ذلك التاريخ أصبح الحاج "ياسين" ذاته أحد معالم المنطقة باعتباره من أقدم من يعمل في هذه المهنة حتى الآن.

لحق التطور هذه المهنة بالتأكيد مع دخول الكهرباء باعتبار أن هذه المهنة تعتمد بالدرجة الأولى على الجهد العضلي مئة بالمئة، وهذا ما وفر دخول آلة "الصاروخ" و"الجلخ" التي ساعدتنا على قص الحديد الصلب وثقبه بدلاً من فعل ذلك يدوياً، أما بالنسبة للنار فكانت عملية إيقادها فيها نوع من الصعوبة وكنا نستعمل "الكور" الذي لم يبق منه إلا نموذج واحد في متحف "قصر العظم" بـ"دمشق" أما الآن فأصبحنا نستعمل آلة مخصصة لضخ الهواء الذي يساعد على اشتعال النار بشكل أقوى وأسرع

طيبة قلبه وتواضعه لا يخفى أمام كل زائر أو زبون لمحله سواء أكان هدفه الشراء أم الاستفسار، حتى إن ضعف المردود المادي الذي أصبحت تقدمه هذه المهنة لم تثنه عن قرار بدأه بالاستمرار فيها منذ صغره لأنه يعتبر أن المهنة هي شرف له يحافظ عليه طوال حياته بخلاف الكثيرين الذين هجروا مصالحهم بحجة أن "الكار" مات كما يطلقون عليه.

منجات الحدادة العربية

أردنا أن نعيش مع "الحاج ياسين" إحدى لحظات خلواته مع الحديد لنسترجع معه في حديث الذكريات شيئاً ما من بريق المهنة في هذا الحي، ونعرف ما التغيير الذي طرأ عليها وما سبب تصميمه على الاستمرار فيها حتى النهاية؟؟.

وعن هذا يبدأ الحاج "ياسين" بالقول: «باعتبار أن مهنة الحدادة العربية هي مهنة أبي وجدي فقد نزلت إلى محل والدي هنا لأتعلمها وأساعد والدي في عمله وكانت في تلك الفترة هي العادة الدارجة لدى معظم أبناء العائلات العربية التي كانت ترسل أولادها منذ صغرهم ليتعلموا "الكار" الذي يؤمن لهم مستقبلهم ويعوزهم عن طلب الغير، وبعد فترة بسيطة أتقنت العمل بهذه المهنة وأصبحت قادراً على أن يعتمد علي والدي، حيث تزوجت في منزل والدي بالقرب من محلنا هذا وبقي الحال على ما هو عليه حتى وفاة والدي رحمه الله فأصبحت مسؤولاً كاملاً عن المحل والمهنة والعائلة معاً».

الحاج ياسين في دكانه

  • على ماذا تعتمد مهنة الحدادة العربية وماذا تنتج؟
  • ** «تعتمد بالدرجة الأولى على مادتي الحديد الصلب و"البولاد" إضافة إلى مادة النار ذات الحرارة الشديدة والتي تستخدم في تليين الحديد ومطاوعته لنا لتصنيعه بالشكل المطلوب، وننتج في هذه المهنة أدوات معدنية كثيرة خاصة للأعمال الزراعية كـ"الفأس- الحموية- المجراف- المدراية- المنجل- الكلاليب التي يستعملها اللحام- مداور الغنم" إضافة إلى أدوات أخرى تستخدم في تقطيع الحطب وتكسيره وغيرها من الأدوات التي تستعمل في عملية البناء والتعمير، وتبدأ هذه المهنة بالاعتماد على قطع الحديد الخام حيث نقوم بتفصيله وفق أشكال هندسية تخدم الفكرة المطلوبة والمراد صنعها وفق قياسات محددة حيث يتم تعريض قطعة الحديد للنار لكي تلين ثم نقوم بطرقها على السندان وتوجيهها حسب رغبتنا وفق الشكل المراد صنعه».

    النار إحدى الحاجات الأساسية في المهنة

    يحافظ سوق "قبو النجارين" على شكله الأساسي دون أن يطرأ عليه أي تغيير سوى تعديل بسيط بإضافة محال أخرى لمهن أخرى تحمل في طابعها المواد الغذائية وبعض الخدمات الأخرى، فالسوق يحمل في طابعه مهنتين رئيسيتين هما "الحدادة العربية" إلى جانب "النجارة العربية" والتي تنتج الأدوات الخشبية المكملة لمهنة الحدادة العربية مثل "اليد الخشبية للمعول، والمنكوش، والمطرقة، وغيرها من الأدوات"، وبالنسبة لمهنة "الحدادة العربية" لم يطرأ عليها أي تغيير جذري بل كان تطوراً طفيفاً ساهم بنمو هذه المهنة وتوفير الجهد والوقت معاً».

    وعن هذا التطور يحدثنا الحاج "ياسين" يقول: «لحق التطور هذه المهنة بالتأكيد مع دخول الكهرباء باعتبار أن هذه المهنة تعتمد بالدرجة الأولى على الجهد العضلي مئة بالمئة، وهذا ما وفر دخول آلة "الصاروخ" و"الجلخ" التي ساعدتنا على قص الحديد الصلب وثقبه بدلاً من فعل ذلك يدوياً، أما بالنسبة للنار فكانت عملية إيقادها فيها نوع من الصعوبة وكنا نستعمل "الكور" الذي لم يبق منه إلا نموذج واحد في متحف "قصر العظم" بـ"دمشق" أما الآن فأصبحنا نستعمل آلة مخصصة لضخ الهواء الذي يساعد على اشتعال النار بشكل أقوى وأسرع».

    لا يستطيع الحاج "ياسين" أن يخفي سعادته حين ينتهي من إنجاز قطعة ما من منتجاته فهو بذل جهداً كبيراً لإنجازها، لكن هل التعامل مع الحديد هو أمر سهل أم فيه نوع من الصعوبة؟ ومن هو المنتصر في العراك مع الحديد؟ وهذا ما يجيبنا عنه الحاج "ياسين بقوله: «التعامل مع الحديد لا يختلف كثيراً عن التعامل مع أي مادة أخرى رغم كل قساوته وعناده، وهذا كله يرجع إلى وجود إرادة الإنسان التي هي أقوى من أي شيء، للوهلة الأولى يبدو أن الأمر سهل لكنني عندما أبدأ في أي مشروع لأنجزه تبقى إرادتي هي المسيطرة، المسألة تحتاج إلى نوع من الصبر والحكمة، صار لي أصارع الحديد كل هذه المدة ولولا أنني أنتصر عليه في كل مرة لما رأيتني هنا، ومع ذلك فأنا تعلمت من الحديد أشياء كثيرة جداً في حياتي فقد تعلمت منه الصبر والحكمة والهدوء والعزيمة والأمانة والود والتواضع وأشياء كثيرة فيه بالتأكيد قد اكتشفها غيري أيضاً، كما تعلمت أن الإنسان لديه القوى الكبرى في الوجود وهي العقل لو استخدمها بالشكل الأمثل لتغلب على كل ما حوله من مصاعب ومشاق، أحاول أن أترك بصمة ما في عملي وأنقل فن ما تعلمته لأولادي، فالفن في هذه المهنة لن يزول ويجب الحفاظ عليه».