لقد اجتمع تاريخ مدينة "حلب" كله منذ أقدم الأزمنة إلى اليوم في محلة واحدة لا تزال قائمة لليوم هي "محلة العقبة" الشهير، وبحسب المؤرخين فإنّ الدراسات المتوافرة حتى الآن والشواهد التاريخية المتاحة تظهر بأنّ هذه المحلة كانت "حلب" الأولى منذ ثلاثة آلاف وأربعمئة سنة خلت وربما تتيح الحفريات الأثرية إلى إظهار ما هو أقدم من ذلك التاريخ.
حول هذه المحلة العريقة يتحدث الدكتور "محمود حريتاني" وهو المدير السابق لآثار ومتاحف سورية الشمالية لموقع eAleppo بالقول: «إنّ ارتفاع "محلة العقبة" ووقوعها إلى جانب "نهر قويق" /وقد كان غزير المياه/ هي أهم الصفات الأساسية للتجمعات السكانية في العصور القديمة، والواقع أنّ وجود تيجان الأعمدة البازلتية والكلسية المنتشرة في أرجاء "محلة العقبة" وفي واجهة "جامع القيقان" ثم بقايا الأعمدة الحجرية في جدرانه يُعتبر شواهد على قدم هذا الموقع، كما أنّ النصب الحثي البازلتي المعاد بناؤه في الجدار الجنوبي للجامع المذكور والذي يعود إلى القرن الرابع عشر قبل ميلاد السيد المسيح يثبت وجود التجمع السكني القديم في هذه المحلة في فترة الحكم الحثي في شمال سورية».
ما زالت "محلة العقبة" إلى اليوم قائمة تحتفظ بأوابدها التاريخية ونسيجها العمراني ودورها التقليدية الواسعة سوى بعض الأبنية الحديثة المتفرقة وهي ما تزال من أعلى المحلات في المدينة القديمة، وقد آن لمجلس مدينة "حلب" ودائرة المدينة القديمة ومديرية الآثار أن تولي هذه المحلة العناية اللازمة التي تستحقها فهي "حلب" الأولى و"حلب" النواة
ويضيف الدكتور "حريتاني": «في القرن الرابع قبل الميلاد وفي عهد "الإسكندر الكبير المقدوني" أصبحت "حلب" ضمن إمبراطوريته الواسعة وقام خليفته "سلوقس نيكاتور" ببناء الشارع المستقيم في بداية "محلة العقبة" وعلى طرفيها الجنوبي والذي لا يزال موجوداً إلى اليوم، وحين جاء العرب المسلمون قبل ألف وأربعمائة عام ليحرروا مدينة "حلب" من الحكم الروماني -البيزنطي دخلوا المدينة من جهة "باب إنطاكية" وأراحوا أتراسهم هناك وبني فيما بعد "جامع الأتراس" أو "الشعيبية" أو "التوتة" فكان أول جامع اختطه المسلمون في "محلة العقبة" بحلب».
وحول سكانها الأوائل يقول: «من المعروف لدينا أنّ أول من سكن في "محلة العقبة" هو "الفضل بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس" بين عامي 152 -154 هجرية الموافق للأعوام 769 -771 ميلادية، ويذكر المؤرخ "ابن العديم" المتوفى سنة 660 هجرية 1262 ميلادية أنّ "سابق بن محمود بن صالح مرداس" الذي حكم "حلب" سنة 468 هجرية 1076 ميلادية كان يسكن "محلة العقبة"، كما سكن المحلة "الصفي ابن المنذر" ناظر "حلب" في عهد "الظاهر غازي" الذي يصفه المؤرخ "أبو ذر" المتوفى سنة 843 هجرية 1440 ميلادية بأنه كان ضابطاً حسن السيرة للرعايا وقد بنى فيه حماماً يعرف باسم "حمام البزدار" مازالت قائمة لليوم.
كانت "محلة العقبة" مسكناً لحكام "حلب" في بداية العهود العربية الإسلامية رغم أنّ المؤرخين قد اتفقوا على أنّ ماؤها ظاهر الملوحة وتخلو من المياه الجارية ويشرب سكانها من ماء المطر حيث يجمعونه في صهاريج في بيوتهم لأنّ "قناة حيلان" التي كانت تمد "حلب" بمياه الشرب لم تكن تصل الحي المرتفع».
وحول تطور المحلة وازدياد الأبنية العامة فيها يقول "حريتاني": «بسبب أهمية "محلة العقبة" فقد كثرت فيه الأبنية العامة فبالإضافة إلى "حمام البزدار" كان هناك مسجد في ذيل العقبة وآخر في ذيلها من الشمال، ويذكر المؤرخ "ابن شداد" خانقاهاً /داراً/ لأبناء السبيل أنشأه الأمير "جمال الدين" المعروف بابن المتنبي المتوفى في العام 1242م، كما ذكر "ابن الشحنة" المتوفى في العام 1480م "حمام الخواجة" ثم "مسجد الكيزاوي" فضلاً عن "خان كامل" و"الزاوية الكمالية" التي تعود أوقافها إلى العام 1774م.
استمر البناء في المحلة وتم تجديد المباني القديمة فيها، فقد جدد الحاج "عبد القادر ميسر" المتوفى في العام 1906م "جامع الخواجا" وعمر الشيخ "حسين الكيالي" المتوفى في العام 1911م مسجدا صغيراً في أول العقبة، وفي العام 1915م جاء الأرمن المهجّرين بأعداد كبيرة إلى "حلب" وسكنوا في المحلة في دورها الواسعة وكان لهم فيها أكثر من ميتم للأطفال كما عاش فيها الأتراك الذين نفاهم السلطان التركي "عبد الحميد الثاني" و"جمعية الاتحاد والترقي" من بعده».
ويختم الدكتور "محمود حريتاني" بالقول: «ما زالت "محلة العقبة" إلى اليوم قائمة تحتفظ بأوابدها التاريخية ونسيجها العمراني ودورها التقليدية الواسعة سوى بعض الأبنية الحديثة المتفرقة وهي ما تزال من أعلى المحلات في المدينة القديمة، وقد آن لمجلس مدينة "حلب" ودائرة المدينة القديمة ومديرية الآثار أن تولي هذه المحلة العناية اللازمة التي تستحقها فهي "حلب" الأولى و"حلب" النواة».
وفي المصادر التاريخية، يقول المؤرخ "كامل الغزي" في /نهر الذهب في تاريخ "حلب"/ ما يلي حول "محلة العقبة": «وهذه المحلة يُقال لها "عقبة بني المنذر" وسُميت عقبة لنشوزها عن بقية أرض "حلب" ولا أدري وجه إضافتها لبني المنذر ولعلهم أول من نزلها بعد الفتح.
"محلة العقبة" من أشرف نواحي "حلب" وأفضلها، حدودها قبلةً /جنوباً/ "سوق الهواء" الممتد من "باب إنطاكية" إلى "جامع البهرمية" وشرقاً "زقاق الميخانات" وشمالاً "بوابة قيس" وغرباً "جادة الخانات" الكائنة وراء السور الممتد من "باب إنطاكية" إلى "باب الجنان"، وهي محلة طيبة المناخ لارتفاعها وهي أسرع المحلات تأثراً بالزلازل».
