ينتظر الناس في ناحية "جنديرس" التابعة لمنطقة "عفرين" تساقط الثلوج في كل عام بفارغ الصبر حيث تعم الفرحة في كل الأرجاء ويُدخل بياضه الصفاء والبهجة لحياة الريفيين وقلوبهم.
بتاريخ 22/1/2012 قام موقع eAleppo بجولة في ناحية "جنديرس" حيث كان الثلج يغطي كل أرجائها والتقى بعض بالمواطنين الذين تحدثوا عن الطقوس الاجتماعية الخاصة بالمناسبة.
اليوم المثلج حالياً لا يشبه اليوم المثلج قديماً /حوالي خمسين سنة/ فقد كنا نضطر لإدخال الرفش والكريك معنا إلى داخل البيوت كي يتسنى لنا أن نزيل الثلج من على الباب صباحاً ونستطيع الخروج، كما كنا نعمل فترات طويلة في إزالة الثلوج عن أسطح البيوت الطينية أو فتح ممرات للتواصل مع الجيران، أما اليوم فمهما كان الثلج كثيفاً فإنه لا يدوم سوى بضع ساعات حيث لن ترى له أثراً بعدها
السيد "فريد إيبو" من قرية "جوم" التابعة لجنديرس قال: «يعتبر اليوم الذي يتساقط فيه الثلج يوم فرح عارم لدى الناس حيث تدخل البهجة لقلوبهم كباراً وصغاراً، إنّ تساقط الثلوج في منطقتنا هذا العام هو ظاهرة فريدة من نوعها فنحن لم نر الثلج منذ حوالي عشرة أعوام ولذلك فقد استيقظنا منذ الصباح الباكر لنقوم بممارسة طقوسنا الاجتماعية بهذه المناسبة السعيدة.
فبدأت الأنشطة بالتجمع في إحدى ساحات القرية الرئيسية لنبدأ اللعب بكرات الثلج حيث يتوحد الناس في هذا اليوم كباراً وصغاراً نساء وفتياناً وفتيات الكل يشارك باللعب ضمن أجواء اجتماعية جميلة فلا /زعل/ في هذا اليوم مهما تلقى الشخص من كرات ثلجية مؤلمة، وبعد الانتهاء من اللعب بكرات الثلج يبادر عدد من الشباب والفتيات إلى صنع تمثال الثلج الذي يعد من الطقوس الاجتماعية الذي لابد منه في اليوم المثلج ولصنعه نقوم بدحرجة حجرة صغيرة على الثلج من مكان مرتفع نحو ساحة القرية وخلال عملية الدحرجة تكبر الكرة شيئاً فشيئاً ليعمل بعض الأشخاص متعاونين على صنعه».
السيد "محمد أحمد" من قرية "مسكة" التابعة لناحية "جنديرس" قال: «من أهم الأعمال الجميلة التي نقوم بها في هذا اليوم إضافةً للعب بالثلج وصنع التمثال هو إعداد أكلة خاصة بمناسبة تساقط الثلج وهي تتألف من دبس العنب والثلج المسامة بدبس وثلج وتعد من أطيب الأكلات التي تناولتها في حياتي ولإعدادها يتم خلط كمية مناسبة من دبس العنب مع كمية من الثلج وتناولها، هذه الأكلة معروفة وشائعة جداً في منطقة "عفرين" إذ يتناولها الجميع بشغف ونهم، وللإبقاء على الثلج أطول فترة ممكنة لاستعماله في إعداد هذه الأكلة كان الناس قديماً يحفظون الثلج بوضعه في الآبار الجافة أو داخل الكهوف والمغاور حيث تكون درجات الحرارة منخفضة وكان ذلك الجو يساعد في بقاء الثلج كما هو حتى أواسط الصيف في كثير من الأحيان».
كما يقول السيد "سليمان حسن" من قرية "مسكة": «للثلج حضور في قصص وأمثال الناس في منطقة "عفرين"، فهم أولاً يعتبرون الثلج سلّالاً أو لصاً لأن من عادته أن يتساقط بكثافة بعد أن ينام الناس ليتفاجؤوا به وقد غطى وجه الأرض صباحاً وخاصة الأطفال منهم.
ومن الأمثال المعروفة والشهيرة حول الثلج هو: /بكرا بدوب الثلج وببان المرج/ ويقال هذا المثل للشخص الذي ينكر أمراً ما فعله كأن قام بسرقة أو جريمة وما شابه، وإذا حدث خلاف بين شخصين فإن الناس يقولون لهما /لا تخلوا الزعل بينكم يكبر مثل كرة الثلج/ فالمعروف أن كرة الثلج تكبر كلما تدحرجت».
وأضاف السيد "سليمان": «ومن أشهر الأحداث المرتبطة بتساقط الثلج في منطقة "عفرين" هو "ثلجة الأربعين" التي حدثت في شتاء العام 1911 ففي تلك السنة القاسية جداً تساقطت الثلوج مدة أربعين يوماً وبشكل متواصل ما أدى إلى تعطل الحياة بشكل شبه كامل وخاصة في القرى الجبلية حيث توفي العديد من الأشخاص والحيوانات وانقطعت الطرق تماماً وتهدمت العشرات من البيوت الطينية وغير ذلك من الحوادث المؤلمة ولذلك فقد تحول ذلك الشتاء إلى نوع من التقويم المحلي لدى أهل "عفرين" واستمر ذلك التقويم معمولاً به محلياً حتى فترة غير قليلة حيث كان الناس يحفظون حوادثهم الخاصة والعامة استناداً لثلجة الأربعين فكان أحدهم يقول: ولدت بعد ثلجة الأربعين بكذا سنة والآخر يقول تزوجت قبل ثلجة الأربعين بخمس سنين وهكذا».
وختم: «اليوم المثلج حالياً لا يشبه اليوم المثلج قديماً /حوالي خمسين سنة/ فقد كنا نضطر لإدخال الرفش والكريك معنا إلى داخل البيوت كي يتسنى لنا أن نزيل الثلج من على الباب صباحاً ونستطيع الخروج، كما كنا نعمل فترات طويلة في إزالة الثلوج عن أسطح البيوت الطينية أو فتح ممرات للتواصل مع الجيران، أما اليوم فمهما كان الثلج كثيفاً فإنه لا يدوم سوى بضع ساعات حيث لن ترى له أثراً بعدها».
