هو ابن "الشهباء" الذي ما تزال تسكن قلبه وروحه، لا يلبث أن يأتي لزيارتها حتى يتأجج الشوق إليها ثانية، فيمسك بريشته صاباً جام حبه على لوحته لتخرج كشهبائه. سنوات قضاها في فرنسا، تعرف خلالها على أبرع الفنانين والنحاتين في العالم، أعماله منتشره في العديد من الدول قدم أعماله لكبارالشخصيات، ورغم كل تلك السنين حنين ما يشده نحو "حلب" تلك المدينة التي صرخ فيها صرخة الحياة الأولى.

فمن مقاعد الدراسة في "حلب" إلى أروقة الأكاديمية الفرنسية اجتاز الدكتور "نجيب جلبي" كل العقبات التي صادفته ليتربع على عرش الفنانين الأكاديميين الفرنسيين.

قدمتُ بورتريه للرئيس الفرنسي "ساركوزي" وقدمت بورتريه آخر للرئيس السابق "جاك شيراك" وبهذا كرمتني الحكومة الفرنسية بطباعة كتاب عن حياتي بعدة لغات وبالإضافة لذلك سيقام معرض لي حين عودتي لفرنسا بمدينة "فالامبا" شمالي "فرنسا" في الشهر التاسع من العام الحالي وسيبلغ عدد لوحاته /140/ عملا بمحتوى إنساني يتناول الحياة الاجتماعية والعدالة بين المهاجرين والأصليين بفرنسا

eAleepo وقف على مسيرة حياة الفنان الدكتور "نجيب جلبي" وكان الحديث التالي.

الجزع الخشبي في كلية الفنون بدمشق

في البداية يقول د."نجيب": «قبل اتخاذ قراري بدراسة العلوم الفنية كانت ملامح هاوي الشعر والأدب تلبسني، فقدمت امتحان الثانوية التجارية ولكنني لم أجتزها ففضلت الذهاب إلى تأدية خدمة العلم وفي أثنائها اجتزت الشهادة الثانوية الفرع الأدبي عام /1978/ من خلال تشجيع الزملاء لي، ثم تقدمت لمسابقة الفنون الجميلة في عام /1979/ ونجحت فيها وحين الانتهاء من خدمة العلم التحقت بكلية الفنون الجميلة بدمشق، وأثناء وجودي في السنة الثانية قمت أنا وزملائي بعمل معرض جماعي لمجموعة من اللوحات وكانت من نتاج أعمالنا فاطلع عليها الوفد الفرنسي حينما كان موجوداً في الجامعة وما شعرت إلا أحدهم وقد وضع يده على كتفي وقال لي يجب عليك أن تذهب إلى فرنسا، وفي حينها فكرت في الأمر وبدأت بالتخطيط له من خلال قضاء أكثر أوقاتي في مشغلي الخاص، وانهمكت بأعمال ورسم ونحت وما شابه ذلك، وما زلت أذكر حينما وضعت قطعة خشبية في أعلى الزاوية مكتوب عليها ـ لا يهمني النجاح بقدر ما يهمني اكتساب المعرفة والعلم- لأن درجة الطالب مهما كانت مرتفعة لن تؤثر على طريق دربه لأنها في النهاية ما هي إلا بطاقة مرور على الدرب الذي اختاره ولكن ما يهم المعرفة والعلم والتطبيق العملي».

وأضاف"جلبي": «أثناء ذلك أقمت عدة معارض مشتركة مع الطلاب بقسم الرواق العربي في دمشق، قبل التحضير لمشروع التخرج تفاجئ عميد الكلية الدكتور "خالد المز" حينما طلبت منه /2 / طن من الطين لكي أقوم بالتحضير لمشروع التخرج ومباشرة تجاوب معي وبدأت العمل على إنشاء نصب تذكاري للأستاذ الفنان "لؤي كيالي" ممثلاً فيه الإنسانيات واللإنسانيات وكان بحجم ثلاثة أمتار وبعد ذلك قدمت مشروع التخرج وضم/ 123/ عملاً موزعاً ما بين منحوتات حجرية وطينية.

ضحية من حياتنا تمثال الجائزة الأولى والكبرى

كما قدمت عملا خشبياً ففي إحدى المرات صادفت جذعاً خشبياً ضخماً وبطول ثلاثة أمتار ونصف واستأذنت صاحبه لأخذه وتم نقله إلى كلية الفنون عبر رافعة وأنزلته في قلب الكلية فكان الأساتذة ينظرون إليه من النافذة مذهولين، فقمت بتهذيبه وعملت منه شكلاً فنياً ودمجته في مشروع التخرج ولم يستغرق المشروع الوقت الطويل لأن الفكرة حاضرة في ذهني، ومن بعد التخرج عملت وبشكل إفرادي معرضاً في متحف "حلب" كان بعنوان "المرئيات واللامرئيات في الإنسانيات واللاإنسانيات" وكان مضمونه إنساني بشكل رئيسي وبذلك أنهيت دراستي الأكاديمية في عام 1983 وقد امتدت لخمس سنوات من عام 1979».

عندما دقت أجراس الاغتراب

حططت رحالي وتحديداً بمدينة "ليل" شمالي فرنسا وكان ذلك في 20/ 4/ 1984 وقد فضلتها بسبب رغبتي بالنحت وشهرة فرنسا بذلك على يد الفنان "أوغست رودان"، أول عمل قمت به بعد وصولي إلى فرنسا أن سجلت بمعهد لتعليم اللغة الفرنسية، ففي بادئ الأمر عملت في العديد من الأعمال الرسمية والنحتية وكان المشغل في مكان إقامتي آنذاك، وبنفس العام عملت أول معرض لي بفرنسا كان بعنوان "أول ضحية في حياتنا" جسدت فيه طفلاً فلسطينياً، ثم بعد ذلك انتقلت إلى مدينة "تركوا" شمالي فرنسا من أجل متابعة الدراسات العليا».

نصب تذكاري لعاشقين بمنطقة واسكال مدينة "تركوا" الفرنسية

وعن مرحلة الدراسات العليا أضاف د."جلبي": «وصلت إلى غرفة البروفسور "فرنسيس بيوريت" مسؤول قسم النحت بالجامعة في مدينة "تركوا" وطلب مني حينها نموذجاً من أعمالي فقدمتها وكان حوله مجموعة من طلاب السنة الخامسة، ولكن شعرت أنهم شككوا أني أنا من نفذتها، فعمدت إلى إثبات ذلك من خلال تشكيل مجسم لامرأة مشهورة اسمها "كاتي" وفي خلال عشرين دقيقة أنهيت ذلك المجسم، ومباشرة قام البروفسور وطلب من قسم السكرتارية تسجيل اسمي مع طلاب السنة الخامسة وكانت سنة التخرج في قسم الدراسات العليا، وبعد سنة تخرجت وقد نلت درجة الدكتوراه، وفي حينها قررت البقاء في "فرنسا" لرغبتي بمواصلة العلوم والمعرفة، ثم قرّرت السفر إلى "باريس" للدخول في المدرسة الوطنية العليا وكانت في الشارع الملكي وقبل انضمامي إليها خضعت لفحوصات القبول وكان عبارة عن كروكيات سريعة ـ نموذج للرسم السريع .

اجتزت امتحان القبول وبدرجة /35/ من /40/ وكانت الجامعة مقسمة إلى عدة فروع منها للنحت والحجر والرسم وقد وقع اختياري على قسم النحت للبروفسور "بريلّو لوبين" وكان قد حاز على الجائزة الأولى والكبرى للنحت في "روما"، وبسبب التسجيل بالمدرسة اضطررت إلى النزول بيوم الأربعاء فقط من كل أسبوع من مدينة "تركوا" إلى "باريس" ولمدة ساعتين بالقطار السريع ففي عام 1989 قدمت مشروع التخرج في المدرسة الوطنية بعنوان "الإنسان والسلام" فحزت على الجائزة الأولى ومنها أنهيت دراستي العليا والتي دامت لخمس سنوات، وبنفس العام أيضاً سجلت في كلية الفن والعمارة وتعلمت منها أسلوب العمارة الإسلامية والأرابسيك وغيرها ثم عُينتُ مدرّساً في الجامعة الفرنسية».

صورة الوطن في المهجر والعطش إلى "الشهباء"

«أي مهاجر تلوح في ذاكرته صور لوطنه وقد عملت عليها من خلال لوحات قدمتها عن الآثار في "حلب" وقدمت أيضاً عمل جسدت فيه هموم القضية الفلسطينية وكان بعنوان "أول ضحية في حياتنا"، وحين عودتي إلى "حلب" قدمت معرضا بعنوان "العطش" واخترت ذلك الاسم بسبب تعطش الإنسان لكل شيء للثقافة والعلوم والتقدم والحرية، وقد اصطبغت أعمالي بنوع من الإنسانية وظهرت بالشكل الشرقي وامتزجت بفن الأرابيسك واستخدمت الخطوط الإسلامية اللانهائية وقد مزجت بين الثقافة الشرقية والغربية فنتج عنها مخاض لفن جديد ظهر في معرضي الأخير وقد استغرق عدة شهور حتى أنجزته».

الحركة الفنية في "حلب" بعد سنين من الاغتراب

حين عودتي من فرنسا لاحظت وخصوصاً في الفترة الأخيرة تقدماً في التطور الفني بمدينة "حلب" من خلال المشاركة في المعارض الدولية وهذا مهم ويمكن أن نستغله من خلال تبادل مهارات الفنانين مع بعضهم وإمكانية لقاء طلابنا مع المحاضرين الغربيين من أجل التبادل الثقافي والفني وسبق أن دَعوت عدداً من الفنانين السوريين إلى فرنسا ومنهم "وحيد قصاص" و"حازم عقيل" وقد بيعت أعمالهم وتم هذا بالتعاون مع وزارة الثقافة لأن الفن لغة عالمية يستطيع الفنان من خلالها أن يعبر ما بداخله».

المدرسة الفنية الخاصة والتأثر بالفنانين

واستطرد "جلبي" قائلاً: «خلال دراستي في "فرنسا" واطلاعي على معظم المدارس الفنية ودراستها بالشكل النظري والعملي وإقامتي لعدد من المعارض استطعت الخروج بأسلوب جديد وهو "الاختزال" وهي السمة التي اتخذتها في أسلوبي الخاص حينما قال لي أحد الطلاب هل من الممكن أن يصبح مشروعي التخرج هو نفس مشروعك فشجعته على ذلك.

أما عن الفنانين الذين تأثرت بهم فمن بينهم مصري الجنسية واسمه "محمود المصري" الذي أبدع في أعماله بسبب معاصرته للفنان "أوغست رودان" وتأثرت أيضاً بأفكار "عبد الله السيد" وما يزال رئيساً لتحرير مجلة "حياتنا التشكيلية" ومن الفنانين الغربيين تأثرت "بمايكل أنجلو" وأيضاً بالفنان "رودان" حينما رأيت معرضه في باريس ولأكثر من مرة وقد أعجبت بأعماله لأنه حاول الاختزال وإعطاء القوة بالتعبير لكنه تخلص من الكلاسيكية رغم أن أعماله كانت من الواقع، فالإبداع لا يتوقف عند "رودان" ويجب أن يستمر ويتطور بتطور الفنان، لأن الإنسان وبشكل عام لا يستخدم إلا 30 بالمئة من قدرة دماغه، ورغم تأخرنا عن مواكبة الغرب في الفنون إلا أن الإبداع لا يزال حاضراً عندنا لأن الأرض العربية عاصرت عدة حضارات كأوغاريت والآشورية والكنعانية، وإيبلا ولم يكن أي أكاديمية علمية موجودة آنذاك.

الحركة النقدية الفنية في "حلب"

أرى أن هناك ضعفاً في نقّاد العمل فمعظمهم لم يتوصلوا لاكتشاف مكونات العمل النحتي بغض النظر عن الكتلة والفراغ والمسحة الجمالية فهناك أيضاً مجال للتعبير والأحاسيس، وبرأي لا يوجد نقد فني تفصيلي صحيح في "حلب"، لأن الناقد الفني يجب أن يتمتع بالفلسفة والأدب والكتابة والشعر وبالإضافة لعلم الجمال، وأفضل ناقد في ذلك هو الرسام نفسه لأنه يعلم ما لذي قدمه».

الأعمال التي قدمت للشخصيات الرئاسية في فرنسا

«قدمتُ بورتريه للرئيس الفرنسي "ساركوزي" وقدمت بورتريه آخر للرئيس السابق "جاك شيراك" وبهذا كرمتني الحكومة الفرنسية بطباعة كتاب عن حياتي بعدة لغات وبالإضافة لذلك سيقام معرض لي حين عودتي لفرنسا بمدينة "فالامبا" شمالي "فرنسا" في الشهر التاسع من العام الحالي وسيبلغ عدد لوحاته /140/ عملا بمحتوى إنساني يتناول الحياة الاجتماعية والعدالة بين المهاجرين والأصليين بفرنسا».

الأعمال المستقبلية عند العودة الأخيرة لسورية

وختم بها قائلاً: «تتمثل بنقل المعارف الفنية والأكاديمية إلى طلاب الجامعات من خلال رغبتي بتدريسهم وتحفيز التعاون بينا وبين الفنانين الغربيين والاهتمام بتنمية الجسر الثقافي مع الغرب وبالإضافة لذلك إقامة معارض مشتركة بين الجانبين، وأرجو من الجهات المعنية أن تقوم بزيادة حصص الرسم في المدارس عند الأطفال من أجل تنمية ملكات عقله في الجمال لأن هذا سوف يجعله ينظر إلى الأمور بشكل أجمل من خلال ترتيب أغراضه في منزله لكي يتلذذ بالجمال الذي وصل إليه شعوره».

يذكر أن د."نجيب جلبي" له خمس دراسات بفرنسا نذكر منها تاريخ الفن والعمارة جامعة ـ شارل ديغول ـ والهندسة المعمارية ـ فيل نف داسك.

وبالنسبة للمعارض يبلغ عددهم /62/ وعرض في "فرنسا" و"أمريكا" و"ألمانيا":

1985 بعنوان: البحث عن أشكال والكتل النحتية ـ قصر وزام ـ "فرنسا"

1991 بعنوان: ضعف الإنسان ـ كلية الفنون الجميلة ـ "ليل" الفرنسية

1994 بعنوان: الإنسان العصري ـ المدرسة العليا للفنون الجميلة "ألمانيا"

2001 نحت وتصوير في ـ ويردينس كاليري ـ وأيضاً في المكتبة الوطنية ـ "أمريكا"

وله نصبين تذكاريين.

1989 بعنوان: السلام ـ ماشورانا ـ حجري "ايطاليا"

2007 بعنوان : الحنان ـ مدينة تركواـ شمال "فرنسا"

وأخيرا بـ 20/6/ 2010 معرض "العطش" بمديرية الثقافة بحلب

وهو مؤسس جمعية "جلجامش" الثقافية الاجتماعية "فرنسا".