"الآستير" هو أحد المكونات الأساسية للبيت العفريني التقليدي وهو أيضاً رمز للكرم وحب الضيوف ولا يُفك إلا عند حضورهم.

للتعرّف بدايةً على قصة "الآستير" ووظيفته التقى موقع eAleppo في مدينة "عفرين" المعمّرة "فاطمة يوسف" وذلك بتاريخ 12/1/2012 فقالت: «في الحقيقة لا يمكن أن نتصور البيت الكردي التقليدي في منطقة "عفرين" دون "الآستير" فقد رافقنا في حياتنا اليومية منذ أكثر من قرن كامل وذلك منذ أن كان الإنسان العفريني ساكناً في الكهوف والمغاور وبعد انتقاله للسكن في البيوت الحجرية التقليدية واستمر مرافقاً له حتى بعد سكنه في الدور الاسمنتية المعاصرة».

في الحقيقة لا يمكن أن نتصور البيت الكردي التقليدي في منطقة "عفرين" دون "الآستير" فقد رافقنا في حياتنا اليومية منذ أكثر من قرن كامل وذلك منذ أن كان الإنسان العفريني ساكناً في الكهوف والمغاور وبعد انتقاله للسكن في البيوت الحجرية التقليدية واستمر مرافقاً له حتى بعد سكنه في الدور الاسمنتية المعاصرة

وأضافت: «"الآستير" هو عبارة عن مصطبة عالية في إحدى زوايا البيت كانت تبنى قديماً بالحجارة والخشب وحالياً يتم شراؤها جاهزة من السوق قبل الزواج وذلك لوضع وتصفيف الفرش واللحف والمخدات عليها.

نبش الصوف -من مراحل التحضير للآستير

في مرحلة السكن في المغاور والبيوت الحجرية كانت السيدة تبني "الآستير" بالحجارة والطين المجبول بالتبن ومن ثم تضع فوقها جذوع الشجر المستقيمة /الزيتون والحور والسنديان/ وبعد أن يجف الطين كانت تضع عليه حصيرة أو قطعة نايلون لتضع عليها الفرش أولاً من اللحف وأخيراً المخدات، وفائدة الحصيرة والنايلون هو أنه كان يمنع الرطوبة من الوصول للفرش.

أما في مرحلة السكن الإسمنتي المعاصر فقد تغير "الآستير" شكلاً دون أن تتغير وظيفته وضرورته فقد أصبح اليوم جاهزاً يتم شراؤه من السوق وهو مصنوع إما من الخشب أو الحديد وفي أسفله جيوب لوضع البلور والأدوات الزجاجية فيه».

صنع اللحف -من مراحل التحضير للآستير

السيدة "فاطمة محمود" من مدينة "عفرين" قالت: «يرتبط وجود "الآستير" في البيوت العفرينية بطقوس اجتماعية قديمة ما زال الكثير منها يمارس إلى اليوم.

ومن هذه الطقوس الاجتماعية اليوم الخاص بقص الخراف ويكون عادةً في بداية فصل الربيع حيث يقوم شخص خبير بعملية القص الجماعي للخراف ووضع الصوف في أكياس خيش خاصة تسمى "الشيّالات" وتحفظ في البيوت حتى يدفأ الجو ويكون ذلك خلال فصل الصيف حيث الناس على موعد مع يوم اجتماعي آخر هو يوم غسل الصوف حيث تذهب الأسرة يرافقها البعض من نساء الجيران إلى "نهر عفرين" أو الينابيع القريبة فالصوف كما هو معروف في المنطقة لا ينظف إلا بكميات كبيرة من الماء الذي لا يتوافر سوى في الأنهار والينابيع.

مصطفى أحمد

بعد الانتهاء من عملية غسل الصوف وتجفيفه بالشمس يوضع في أكياس خاصة وفي البيت تبدأ المرحلة التالية وهي نبش الصوف وتنظيفه يدوياً بتخليصه من بقايا الأشواك والعيدان الصغيرة المعلقة به، يُضاف لذلك أنّ عملية نبش الصوف أمر ضروري لإكسابه الطراوة المناسبة وتخليصه من القساوة.

وفي المرحلة التالية يتم العمل في صنع "الفرش" التي تتكون من الصوف المحشو بشكل سميك داخل طبقة واحدة من القماش السميك الملون وخياطته من أحد الجوانب، اما "اللحف" فتتكون من صوف محشو وبشكل رقيق ولكن داخل طبقتين من القماش، الأولى تحتوي الصوف وهي مخاطة بشكل دقيق كي يتوزع الصوف بداخلها بشكل منتظم ولا يفك قماش هذه الطبقة إلا عندما يراد غسيل الصوف داخله، أما الطبقة الثانية فتتكون من طبقتين "الوجه" ويتكون من القماش الناعم الأملس واسمه "أطلس" أما "الخاصّة" أو "القفا" فهو الطرف الذي يغطي به الإنسان نفسه أثناء النوم.

وأخيراً "المخدة" أو "الوسادة" وتتألف من الصوف المحشو بسماكة كبيرة أيضاً وذلك داخل طبقتين من القماش، الأولى من قماش "الخاصّة" الأبيض والثانية تسمى "وجه الوسادة" وهي من القماش الأبيض الناعم وكان طرفا المخدة ينتهيان بمشغول يدوي جميل من خيطان "التنتنا" الناعمة ووجهها كان يُزيّن بخيطان "القناويجا" المشغولة بشكل زهور وغيرها».

وتابعت حديثها: «بعد الانتهاء من صنعها كانت توضع بشكل متناسق على "الآستير" بدءاً من "الفرش" ومن ثم "اللحف" وأخيراً "المخدات" وكلما كانت موضوعة بشكل أنيق ومتناسق كان ذلك دليل على أناقة المرأة العفرينية ونظافتها ولذلك كانت النسوة في المنطقة يقمن بالتباهي أمام الضيوف والناس بالنسبة للتناسق الأنيق للآستير وكذلك بكثرة عدد الفرش واللحف والمخدات فالعادة الشائعة في المنطقة هي أنّ الأم تعطي لكل واحد من أبنائها عدداً من "الفرش" و"اللحف" و"المخدات" من آستيرها بعد زواجهم والسكن بشكل مستقل لتعود فتملأ آستيرها في السنة التالية».

وأخيراً قال السيد "مصطفى أحمد" حول حضور "الآستير" في حياة الناس المعاصرة: «"الآستير" مرتبط بعادات جميلة في منطقة "عفرين" فعندما يأتي الضيوف يُفك "الآستير" إكراماً لهم لأنه من المعيب أن ينام الضيف على الاسفنجات الحالية بل يجب أن تُمد له "الفرش" و"اللحف" و"المخدات"، كما يُفك "الآستير" خلال حفلات أعراس أحد أبناء القرية حيث يتوزع الضيوف على كل بيوت القرية وكذلك عند إعطائها للأبناء المتزوجين من كل أسرة.

في الحقيقة ما زال "الآستير" موجوداً في معظم البيوت في الريف ولكن الاعتماد اليوم وخاصة من قبل أبناء الجيل الحالي يكون على الاسفنجات العصرية واللحف التجارية والمخدات المحشوة بالإسفنج وهذا الوضع فرضته ضرورات الحياة المعاصرة وأهمها: أنه نادراً ما ينام ضيف في أحد البيوت بسبب توافر وسائل النقل والاتصالات السريعة وانتقال اغلب حفلات الأعراس الريفية إلى المقاصف حيث تقام حفلة زفاف لعدة ساعات قبل أن يذهب كل شخص لبيته، والبيت الذي ما زال يملك آستيراً فإنها لم تفكه منذ سنوات... وقد لا تفكه لسنوات أخرى لذلك قامت الكثير من الأسر ببيع فرشها ولحفها ومخداتها في السوق لأنه فقد وظيفته الأساسية».