القاعدة العامة تقول "الجديد يُذهب القديم" وهذا فعلاً ما حلَّ مؤخراً بسوق الموازين في "حلب"، فمع وصول الموازين الإلكترونية إلى الأسواق أصبح الطلب محدوداً على صناعة وبيع الموازين التقليدية المعروفة بـ"الكفتين". وقد تحوّل السوق بمجمله من صفة الصناعي بامتياز إلى سوق تجاري حاله حال الكثير من الأسواق التي تبيع هذا المنتج الذي أصبح متوافراً بيسر وسهولة دون الرجوع إلى سوقه الأصلي.
الفضول جعلنا نقتحم "سوق الموازين" لنشاهد عن كثب ما آل إليه بعد الطفرة الإلكترونية الحديثة فانطلقنا باتجاه المدينة القديمة وتحديداً في المنطقة الواصلة بين "سوق الخابية" باتجاه "خان الوزير" لنلتقي السيد "حسن دملخي" الذي يعمل في هذا السوق منذ أكثر من خمسين عاماَ حيث يمكنك أن تشاهد في محله كافة أنواع الموازين المصنوعة يدوياً وباختلاف أحجامها وأنواعها "الصاج" "النحاس" وغيرها، بالإضافة إلى "القبانات" الكبيرة التي تستخدم في الأوزان الكبيرة والتي لكل منها مهمته الخاصة.
له ميزة أساسية أنه وفر الجهد والتعب على الكثيرين لكنه ليس أكثر دقة من الموازين القديمة كما يعتقد البعض، هناك أنواع جيدة منه لكنها غالية للأسف ولا يوجد طلب عليها
عن التطور الذي طرأ على هذه المهنة والسوق معاً حدثنا فقال: «خلال فترة طويلة جداً كنا نصنع الموازين التقليدية ونبيعها هنا في هذا السوق، وكنا نعمل داخل الخانات فهناك ورشات كبيرة ومختلفة وكنا عمالاً كثر، حتى عندما تمر بالسوق يمكنك أن تسمع ضجة العمال والعمل معاً، تعلمنا هذه المهنة منذ فترة طويلة جداً وتعلمها أولادنا من بعدنا، وما تشاهده في محلي هو من صناعتنا اليدوية، وفي الفترة الأخيرة توقفت هذه المهنة نهائياً ولم يعد هناك أي طلب على هذه الأنواع من الموازين بسبب دخول أنواع كهربائية وإلكترونية معاً يعتبرها الكثيرون أسهل استعمالاً وأدق».
البيع السمح
لم يخف الحاج "حسن" غصته على الأيام الخوالي في مهنته والتي يحن لها من خلال ارتياحه وحنينه للميزان القديم فقال: «أنا بصراحة أحن للميزان القديم ولتلك الكفتين اللتين تميزانه، لأني أعتبر أن البيع والوزن بواسطة الميزان القديم فيه نوع من الرزق الحلال أكثر لأن فيه نوع من التسامح، فكم يسر الزبون عندما يكرمه البائع حينما تميل الكفة لمصلحته حينها يقول البائع له "هذه على البيعة" أما اليوم فالبيع أصبح محكوماً بطريقة الغرام الواحد كأنما نتعامل مع الذهب تماماً، السوق بهذه الحالة سيفقد صفته الصناعية قريباً ليتحول إلى سوق لتجارة الموازين وتصليحها فقط، وهذا شيء محزن للغاية بالنسبة لي».
تختلف أنواع الموازين وتتنوع بحسب اختلاف مجال عملها، فالموازين التي يستعملها بائع الحلويات تختلف عن الموازين التي يستعملها بائع الذهب، ولكل خصوصيته وتركيبته، عن أنواع الموازين يحدثنا السيد "عبد القادر دملخي" فيقول: «لدينا الميزان المؤشر الذي يشبه عقارب الساعة والذي يعتمد على النوابض والذي يستخدمه بائعو الحلويات والموالح في أوزان لا تتجاوز ال/15/كيلو غراماًَ، ويعتبر هذا النوع الذي اكتسب شهرته خلال فترة تجاوزت العقدين من الموازين ذات الحساسية العالية والذي أثبت جدارته وأصبح مميزاً عند الباعة، بالإضافة إلى وجود أصناف مختلفة من الموازين كالميزان المنزلي الصغير الذي يمكن استعماله في المطبخ للأوزان الصغيرة والتي لا تتجاوز ال/5/ كيلوغرامات كما يستخدمه الباعة المتجولون وغيرهم، كما أننا نقوم بخدمة تصليح كافة أنواع الموازين بكل أنواعها ابتداء من قطع الغيار وتعييرها».
أما عن الميزان الإلكتروني الجديد، وكيفية التعامل معه فيقول: «له ميزة أساسية أنه وفر الجهد والتعب على الكثيرين لكنه ليس أكثر دقة من الموازين القديمة كما يعتقد البعض، هناك أنواع جيدة منه لكنها غالية للأسف ولا يوجد طلب عليها».
حكاية "سوق الموازين"
لكل نشأة سوق حكايتها الخاصة التي تتميز بها دون الآخرين، وحين حاولنا أن نتعرف إلى قصة هذا السوق القديم انضم إلينا السيد "محمد زكور دملخي" ليحدثنا عن ذكريات السوق القديمة فقال: «يعتبر والدي من هؤلاء الناس الذي عاشوا وتعلموا من هذا السوق وأسس محله لنا، ويخبرنا أنه مع مطلع الأربعينيات من القرن الماضي كان "خان قرطبة" الذي يقع عند مدخل السوق يستقبل زواره من خارج "حلب" سواء أكانوا من العرب أم من الأتراك وغيرهم، حيث يقيمون فيه لعدة أيام ثم يرحلون، وكان بجوار الخان عدة محال صناعية تعتمد مهنة الحدادة العربية إلى جانب مهنة النجار العربي الذي يصنع الصناديق الخشبية التي تستخدم لوضع أمتعة العرائس. حرفيو السوق كانوا يشكلون خليطاً من الأديان والأعراق منهم اليهود ومنهم الأرمن ومنهم المسلمون الذين يعيشون مع بعضهم كجيران وأبناء مهنة واحدة، وقد بقوا مع بعضهم حتى فترة متأخرة من القرن الماضي، ويمكنك أن تجد أسماء هؤلاء إلى الآن على فواتير وعدادات المياه المركبة في تلك الفترة تحديداً، ومع غلبة من يمتهن الحدادة العربية أصبحت صناعة الموزاين هي الغالبة على هذا السوق الذي شهد إقبالاً كبيراً من الناس والذين سموه بهذا الاسم نسبة إلى المهنة الغالبة فيه، حالياً في السوق يمكنك أن تجد فيه حوالى خمسة عشرة محلاً مازالوا يحافظون على مهنتهم إلى الآن».
