تعتبر مدينة حلب مدينة الفن والطرب الأصيل ولا يمكن ذكر الفن في حلب دون ذكر المسرح وأهميته فيها، وللحديث عن هذا الموضوع كان لموقعنا حوار خاص مع الأديب، والباحث، والمسرحي المخضرم "عبد الفتاح قلعه جي" الذي بدأ حديثه مع الذكريات فقال: «بدأنا العمل بفرقة "المسرح الشعبي" في حلب وهي فرقة عريقة تشكلت عام 1959 وكان معي آنذاك المسرحي "أحمد عمر طحان" المعروف باسم "أحمد سيف" حيث قدمنا مسرحية بعنوان "صرخة في شريان مبتور" من تأليفي، وكانت فرقتنا تعمل بالتوازي مع فرقة "مسرح الشعب" الذي كان تابعاً للبلدية.

كان الإقبال على المسرح شديداً لأنه لم يكن هناك وجود للتلفزيون في ذلك الوقت، وأذكر أننا أثناء تحضير عمل مسرحي كنا نسهر الليالي لنعدّ الديكور بأنفسنا، وكان أهلنا يفصلون لنا الملابس التي نرتديها في المسرح، ونظل نعمل ونشرف على التدريب حتى الصباح حيث نأخذ الممثلين إلى محل "أبو عبدو الفوال" لتناول وجبة الإفطار وكان هذا كل أجرهم.

أما فرق الهواة فكانت تأتي من مختلف المحافظات وتقدم المسرحيات في حلب خلال المهرجانات، والجميل في ذلك الوقت هو جلسات النقاش والتقييم الدائمة التي كانت تلي العروض المقدمة، وكذلك التعارف وتبادل الخبرات بين الممثلين والمخرجين والكتاّب الشباب، إلا أن هذه المهرجانات توقفت بعد ظهور فرق الشبيبة والعمال

لم نكن نكسب شيئاً من المسرح، وكان الموظف منا يدفع من جيبه، ولم نكن نتلقى تبرعات من الناس، أما ثمن البطاقة فكان زهيداً جداً وأغلب الناس يأتون دعوات، ولهذا يقع المسرح في خسارة سنة تلو السنة.

الأستاذ عبد الفتاح قلعه جي

ذكريات أخرى ربطتني مع المسرح في إدلب، وكان صديقي "مروان فنري" الذي يعمل الآن مديراً للمسرح القومي هناك، يحرص على الاشتراك بالمهرجانات التي كانت تعقد في حلب في دوراتها الأخيرة، وهذه المهرجانات هي التي غذت المسرح في سورية بأغلب أعلامه من كتّاب، ومخرجين، ومسرحيين، مثل الكاتب "وليد فاضل" والمخرج "سمير الحكيم"».

وأضاف: «أما فرق الهواة فكانت تأتي من مختلف المحافظات وتقدم المسرحيات في حلب خلال المهرجانات، والجميل في ذلك الوقت هو جلسات النقاش والتقييم الدائمة التي كانت تلي العروض المقدمة، وكذلك التعارف وتبادل الخبرات بين الممثلين والمخرجين والكتاّب الشباب، إلا أن هذه المهرجانات توقفت بعد ظهور فرق الشبيبة والعمال».

مشهد مسرحي لأحد مؤلفاته

  • برأيك كيف استطاع الرواد العمل على تطوير المسرح وجعله ممكناً في الزمن الصعب؟
  • ** الحب يصنع المعجزات، والشغف بالمسرح لون من ألوان حب الحياة، وتحسين الحياة على خشبته، ولذلك فإن هؤلاء الروّاد استطاعوا بإيمانهم، وثباتهم على العمل، وتضحياتهم، أن يجعلوا من هذا الفن فناً راقياً ومحترماً.

    كان الأهل يخافون على أبنائهم من العمل في المسرح لأنه حسب قولهم ليس "صنعة" حسب المثل القائل: "صنعة في اليد أمان من الفقر"، ولا يدرّ مالاً، لذلك كانوا يريدون منهم الاهتمام بعمل شيء مضمون، أو حتى بالدراسة. وبالنسبة للنساء التمثيل كان ممنوعاً تماماً حيث التقاليد والأعراف تمنع عملها آنذاك، لذلك وفي فترة ولادة المسرح أيام "أبي خليل القباني" كان الفتيان يؤدون دور المرأة ثم تجاوز القباني ذلك وأحضر ممثلات من لبنان.

    أما في "حلب ودمشق" فبدأت المرأة تظهر على خشبة المسرح ولكن باستحياء، لكن الأمر المميز في فترة الخمسينيات هو تأسيس فرقة خاصة بالنساء كانت ترعاها السيدة "فائقة المدرس" مديرة مدرسة "الصنائع النفيسة"، واستقدمت أحد المخرجين في حلب هو "بشير عباسي" ليدرب هذه الفرقة، وقدمت عدة حفلات ناجحة، واللطيف في هذا الموضوع هو أن الملابس الخاصة بهم مازالت محفوظة لدى أولاد المسرحي الكبير المرحوم "فاروق المدرّس". لقد استطاع هؤلاء الرواد أن يغيروا نظرة العامة إلى الفنانين والمسرحيين، خاصة أن هذه الفرق كانت تقدم مسرحيات من صميم المعاناة الاجتماعية والسياسية مثل مسرحية "آيزنهاور" ومسرحية "حلف بغداد"، أو مسرحيات اجتماعية تعالج الفقر والجهل والمرض مثل مسرحية "ابنتي في البار"، علماً أن المسرح في "حلب" كان الرديف للنضال الوطني ضد الانتداب الفرنسي.

  • كيف ترى الحركة المسرحية في الوقت الحالي؟
  • ** الحركة المسرحية بشكل عام بحالة غير جيدة، وتعاني من انصراف الممثل المسرحي عن المسرح إلى المسلسل التلفزيوني بدواعي المعيشة، إضافة إلى إرهاق العمل المسرحي بتدريباته وحضوره الشخصاني أمام الجمهور، إلا أنه المقياس الصحيح للممثل لأنه لا يملك أمامه إلا الفرصة الراهنة لإثبات قوته. أيضاً ظهور رعيل من الشباب المسرحيين بعد تأسيس المعهد العالي الذين انصرفوا عن الكاتب المسرحي وأصبحوا يعدون أو يؤلفون نصوصاً بأنفسهم ويخرجونها بأنفسهم متجاهلين وجود الكاتب المسرحي.

    إن موت المؤلف المسرحي هو موت للمسرح لأنه يؤلف ويكتب في القيم الكبرى الاجتماعية، والنضالية، والانسانية، وهذا يحتاج إلى رؤية وخبرة ونضج، بينما الشباب يتسلحون بالمغامرة الشابة وهذا أمر جيد لكنه ليس كافياً، لأنهم انصرفوا إلى جزئيات لا تشكل رؤية فكرية عامة. وأخيراً ظهور مسرح الجسد الذي ألغى النص المسرحي وبات أقرب إلى الرقص المسرحي. لكن، ومهما يكن سيظل الكاتب المسرحي يجد طريقاً لنصوصه، وهذا ما نجده أنا وزملائي في تشخيص الكثير من مؤلفاتنا على الكثير من مسارح البلدان العربية.

    ولمزيد من المعلومات عن المسرح قرأنا للباحث "محمد هلال دملخي" في كتابه "مسرح حلب في مئة عام" الكثير مما يرغب المهتم بمعرفته عن الولادة الأولى للمسرح في حلب، وصولاً إلى المهرجانات المسرحية في 1997، فنقرأ مثلاً عن الولادة الحقيقية لنشوء المسرح الحلبي والتي كانت على يد الفنان "يوسف نعمة الله جاد" الذي قدم مسرحيته الأولى "بريجيت" على مسرح "المدرسة المارونية" في حلب عام 1872 وكيف تزامنت تجربته المسرحية مع تجربة "أبي خليل القباني" في دمشق، والظروف التي رافقت التجارب المسرحية ابتداءً من المدارس والفرق المدرسية الرسمية وانتهاءً بتأسيس الفرق الخاصة.

    ثم يتحدث عن التطور الذي حدث في الحركة المسرحية ليس في حلب فقط بل في جميع محافظات القطر، حين تأسست العديد من الفرق الرسمية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين كفرقة "حسن حمدان" 1933 الترفيهية، وفرقة المسرح العمالي، وفرقة المسرح الجامعي، وفرقة مسرح الطلائع، وفرقة مسرح حلب القومي، وفرقة رابطة الموظفين، وفرقة نقابة المعلمين.

    بعد ذلك يتحدث عن مرحلة النضج المسرحي في الأربعينيات، ثم مرحلة الانتعاش المسرحي في مطلع الخمسينيات، وهي مرحلة الازدهار والتألق والتنافس بين الفرق المسرحية كما كتب، ثم يأخذنا إلى مرحلة الهدوء المسرحي التي بدأت من أواخر الستينيات إلى أواخر السبعينيات، وانحسار دور النوادي والجمعيات، مع ظهور المسارح الرسمية.

    ويذكر أيضاً المسرح القومي الذي تأسس عام 1976 والذي عمل على إغناء الحركة المسرحية السورية آنذاك من خلال الأعمال التي قدمها كل من المسرحيين: "كركور كلش" و"اسكندر كيني" و"إيليا قجميني" و"حسين الإدلبي" و"عبد الفتاح قلعجي" و"وليد إخلاصي" و"رضوان السالم" و"عمر حجو" وكان لهم الدور الاكبر ليمهدوا فيما بعد لتأسيس فرق مسرحية حلبية خاصة مثل "فرقة المهندسين المتحدين" 1990، و"فرقة اتحاد الصحفيين" 1992 و"فرقة مسرح الشوك" 1995.

    ثم يتحدث عن مرحلة الركود المسرحي في مطلع الثمانينيات حتى أوائل التسعينيات، وسيادة الفرق التجارية، ثم مرحلة الانزياح المسرحي التي بدأت مع بداية التسعينيات بدخول الدراما التلفزيونية إلى الحياة.