لطالما ارتبط الغناء الكنسي بالكنيسة ارتباطا وثيقا على مر السنوات الماضية متجليا من خلال الترانيم والتراتيل التي تقدم ضمن القداديس الإلهية الأسبوعية، أو تلك الاحتفالية مثل تلك التي تقام في فترة عيد الميلاد مثلا؛ ولطالما قدمت هذه القداديس من جهة أخرى أصواتا مميزة نذرت نفسها للغناء الكنسي وتقديم ما يليق باسم الله خالق هذه الدنيا دون الخوض في غمار الغناء التقليدي.
وقد طرأ على الغناء الكنسي خلال الفترة الماضية عدد من التغييرات في أنماط التوزيع والألحان مع احتفاظه بالقالب الأصلي له المتمثل في تقديم كلمات روحية دينية تدعو الناس للتأمل في ملكوت الله والعودة إليه والالتزام بتعاليمه، حيث ظهرت مؤخرا عدة فرق شبابية حاولت أن تمزج بين نمط الأغاني الحديث من جهة، ومن جهة أخرى تقديم كلمات روحية مميزة دون الإقلال أو الإخلال بنمط الغناء الكنسي الذي قارب عمره الألف سنة.
إن الغناء الكنسي هو جزء من القداس الإلهي يخدم القداس ويكون مترافقا مع الوعظ الديني وعبارات الوعظ
ما الغناء الكنسي، وما الهدف منه، وكيف انتقل وتطور عبر السنين وصولا إلى التجارب الحديثة الشبابية الحالية؟
أسئلة حاولنا الإجابة عنها من خلال التعرف في البداية على تاريخ هذا النمط من الغناء وسببه وكيف ظهر من جهة، ومن جهة أخرى قمنا باستعراض تجارب شبابية ما ميزها هو أنها قامت بتطوير هذا النمط من الغناء ونقله لمفهوم آخر بهدف جذب الشباب للعودة إلى دور العبادة من خلال تقديم نمط ترتيلي ذي ألحان قريبة من ألحان الأغاني التقليدية مع احتوائها للطابع الديني واحترامها للهدف الأساسي الذي أنشئ من أجله "الكورال الكنسي".
البداية... تاريخ وغاية
«إن الغناء الكنسي هو جزء من القداس الإلهي يخدم القداس ويكون مترافقا مع الوعظ الديني وعبارات الوعظ»؛ يقول السيد "جورج بالي" المشرف على جوقة كنسية بالاشتراك مع الأب "بيير المصري" والتي تتدرب في كنيسة "مار ميخائيل"، ويتابع:
«هو في الأصل كلام ثابت يتم ترنيمه ضمن مراحل القداس حيث تؤخذ كلمات من الكتاب المقدس تردد بتوزيعات مختلفة ولمدة دقيقة أو دقيقة ونصف لتعطي جواً مقدساً روحي للقداس. ولكل قداس نفس الترتيب ولكن الوقت ومشاغل الناس تحول دون إقامة قداديس طويلة ولذلك القداس العادي اليومي يكون قصيرا، أما تلك الاحتفالية مثل عيد الميلاد أو عيد قديس معين فإنها تكون أطول مع وجود كورال يقوم بإحياء القداس مع الكهنة الموجودين. والترانيم الأساسية المعروفة داخل القداس الطبيعي هي: المدخل– يا رب ارحم– المجد لله– تقدمة (تقديم الشعب للهيكل)– بنديكتوس– القدوس– وقت المناولة– ووقت النهاية. في القداس الكلاسيكي ذي الأصوات الأربعة يكون "الأورغن" موجودا بشكل أساسي، وهو لا يشابه آلة "الأورغ" الحالية، بل هو "الأورغن" الكنسي المعروف الذي يصدر الأصوات عن طريق الأنابيب، كما يتم توزيع الأصوات البشرية في الكورال بشكل متناغم وجميل.
بدأت فكرة الغناء الكنسي منذ العام /590/ ميلادي تقريبا وتحديدا في عهد البابا "جريغوريوس الأول" الذي رأى بأن الكنيسة بحاجة إلى نوع من الموسيقى التي تخدم القداس تكون محددة النمط؛ وبالتالي أدخل ما أصبح يعرف باسم "الألحان الجريغورية" والتي تعتبر ألحانا روحية أكثر منها بدنية أو حياتية. ومع مرور السنين تطورت هذه الألحان لتصبح ألحانا متعددة الأصوات حيث أتى لاحقا البابا "غريغوريوس الثاني" ليضع خطوطا إضافية ولتتطور هذه الألحان حتى وصلت إلى عصرنا هذا. مع مر العصور، تواجدت أنماط موسيقية جديدة دخلت هذا المجال مثل نمط موسيقا "الجاز" مثلا وذلك كمحاولة من الكنيسة لجذب الشباب لحضور القداس عن طريق تقديمها نمط موسيقي قريب من النمط الموسيقي الذي يسمعونه خارج الكنيسة إنما بكلمات روحية ودينية مع تجارب شبابية حديثة أيضا بدأت تجري حاليا».
والسيد "جورج" بدأ العمل في مجال الترانيم والتراتيل الدينية منذ ما يزيد على الثلاثين عاما حيث كانت بدايته في مدرسة "مار يوسف" أو مدرسة "المحبة" حاليا ضمن القداس الأسبوعي الذي كان يقام كل يوم أحد. آنذاك، كان الأستاذ "جورج" يخدم ضمن القداس مضيفا بأنه كان من أوائل الناس الذين قدموا نمطا جديدا للموسيقا الكنسية عن طريق تقديم قداس يحوي ترانيم موزعة بأسلوب موسيقا الجاز.
«وقتها، كنا صغارا وكنا نقلد ما كان يأتينا من الخارج حيث كانت النوتات الموسيقية تأتينا من "فرنسا" ونقوم بأدائها كما هي دون تعريب للكلمات. بعد ذلك انتقلت إلى كنيسة "اللاتين" لأقوم بالتوزيع الموسيقي بنمط الموسيقا الكلاسيكية، وكنا نقوم بالقداديس الاحتفالية والحفلات بمناسبة أعياد الميلاد والفصح. وعند زيارة البابا إلى سورية في العام /2000/ كان الكورال الخاص بي مشاركا في الاحتفال، كما سافرنا إلى "إيطاليا" في عدة أمسيات موسيقية».
ويضيف بأن الغناء الكنسي شهد خلال الفترة الأخيرة الكثير من التطور خصوصا مع ظهور فئة جديدة من الشباب الذين تخرجوا من المعاهد الموسيقية وانتقلوا إلى هذا المجال لتقديم ما لديهم للكنائس :
«أصبحنا نفاجأ نحن كلجنة تحكيم في مهرجان "قيثارة الروح" الذي يقام مرة كل عامين بالكثير من الأعمال الإنسانية الكنسية الدينية الحياتية وحتى الوطنية المميزة والتي تخدم كل من الكنيسة والوطن، لأن الكنيسة تخدم الوطن من منطلق أننا جميعا سوريون في النهاية.
أرى أن الغناء الكنسي في أيامنا هذه شهد تطورا كبيرا. هناك عمل كبير يتم ضمن الجوقات الكنسية الموجودة في مدينة "حلب"، إنما يختلف من جوقة إلى أخرى».
ويضيف بأن التطور أمر حتمي إنما يجب أن يكون وفق قواعد وضوابط معينة حيث يجب على من يرغب الدخول في مجال الغناء الكنسي أن يدرس تاريخه والأعمال المقدمة ضمنه لكي يستطيع معرفة نقطة الانطلاق، إضافة إلى امتلاكه لمبادئ أساسية فيما بتعلق بمجال الموسيقا بحيث يستطيع انتهاج خط معين يمضي فيه بشكل تام ومميز، ولكن مع احترام الفكرة الأساسية التي قام لأجلها الكورال الكنسي.
«على سبيل المثال، إذا ذهبت إلى "ديسكو" فهل من المعقول ألا ترقص؟ وفي نفس الوقت إذا ذهبت إلى مطعم راق فهل من المعقول أن ترقص؟
نافلة القول يجب أن يكون كل شيء في مكانه المناسب بحيث يكون الجاز في مكان الجاز، والديسكو في مكان الديسكو، والصلاة في مكان الصلاة. وعلى من يقوم بتأليف ترانيم جديدة أن يراعي وجود فئة عمرية كبيرة السن يجب ألا يبعدها عن حضور القداس لمجرد أنه يرغب في جذب الشباب.
التغيير مطلوب ولكن يجب أن يكون ضمن حدود الإيقاع الكنسي مع عدم الخروج عنه. كنا في الماضي نقوم بموسيقا الجاز ضمن الكنيسة ولكن نمط الجاز الخفيف الهادئ الذي يراعي تواجدنا ضمن المكان المقدس.
صحيح أن الحياة تغيرت والضغوط زادت ومن الطبيعي أن يتحرك الإنسان، ولكن يجب أن نحترم العمل الذي نعمله والمكان الذي نقدم فيه تراتيلنا. كما يجب أن نأخذ تطور العصر بالحسبان لأنه مع كل عصر تتغير الأذواق لذلك يجب ألا نعزف أعمالا يزيد عمرها على مئتي عام ما لم تكن أعمالا مميزة فعلا، ومثلما كان الوضع بالنسبة لي أيام موسيقا الجاز، فإن هناك الكثير من الشباب حاليا يعيشون حياة صاخبة ولا يستطيعون الانقلاب إلى النمط التقشفي الغنائي الموجود في الكنيسة ما تطلب من الموسيقيين تقديم نمط جديد يواكب العصر».
من تاريخ طويل... إلى تجارب شابة
بعد تلك المقدمة الخاصة بموضوع وتاريخ الغناء الكنسي، كنا مع لقاء تجربتين مميزتين تمتا في هذا المجال؛ الأولى كانت مع نمط الغناء الديني غير الطقسي والذي يمثله كورال "جوقة الصخرة"، أما النمط الآخر فكان تجربة توزيع الترتيلة على النمط الموسيقي الحديث ووضع الكلمات الدينية فيه والذي مثلته فرقة FDJ.
البداية كانت مع الشابة "رنيم كيلون" مشرفة جوقة "الصخرة" للإنشاد الديني والتي قالت لنا:
«الترانيم الطقسية جميلة، ولكن مع عمرها الطويل وتكرارها المستمر أصبح فيها نوع من الرتابة مع ترديد الناس المتكرر لها. حاولنا في البداية كجوقة جعل هذه الترانيم موزونة وبطريقة أخفينا فيها مد الحروف والذي كان يستعاض بوساطتها عن الكسر في الوزن لهذه الكلمات، ومن ثم قمنا بتوزيع الأصوات بطريقة جماعية لنقدمها بشكل جميل.
كنت في بداية حياتي متأثرة بالطقس الماروني على اعتبار أنني مارونية الطائفة، وبالتالي كانت معظم التراتيل التي حفظتها هي تراتيل طقسية أو ملحنة من أناس معروفين مثل الأب "منصور لبكي" الذي أصدر كتابين في هذا المجال هما "الدفتر الأبيض" و"الدفتر الأحمر" حيث قام بوضع كلمات من الكتاب المقدس على هذه الألحان؛ هذا الأمر انعكس على الجوقة حيث كنا نردد التراتيل المارونية والسريانية مع احتوائها على كلمات روحية ونصوص وذلك ضمن القداس».
بعد فترة من تأسيس الجوقة، تقول "رنيم" بانها تعرفت على فرق أخرى مثل فرقة "أجابي" من "لبنان"، وفرقة "الحياة الأفضل" من "مصر" واللتين كانتا تقدمان نمطا كوراليا مختلفا بكلمات خاصة بها مكتوبة من أشخاص عاديين ليسوا رهبانا بل علمانيين لهم تأملاتهم الخاصة بهم حيث حاولت استعارتها وترتيلها مع جوقة "الصخرة"، ولكن لاحقا قررت عدم التقليد وامتلاك شيء يميز الجوقة عن غيرها حيث تتابع قائلة:
«دفعنا الأمر السابق لتقديم ألبومنا الأول والذي احتوى على ثلاث ترانيم دينية بكلمات وألحان خاصة بنا مع ترانيم دينية تعرفها الناس في المضي. ما قمنا بتقديمه كجوقة "الصخرة" يتمثل في تقديم تراتيل دينية غير طقسية بمعنى أنها لا تستخدم ضمن القداس ولا تختص بطائفة معينة. هناك تراتيل سريعة الإيقاع وأخرى بطيئة؛ والترانيم التي نقدمها لا تدخل في القداس الإلهي لكونها ذات إيقاع ويستعمل فيها آلة "الدرامز" وبالتالي لا يمكن أن تدمج داخل القداس، كما أننا نعتمد نمط PlayBack في الترتيل ما يجعلنا لا نشارك في القداديس التي تتم».
وبرأي "رنيم" فإن الجوقة تأثرت بالأنماط الغربية والعربية والكلاسيكية مضيفة أن الناس تفرح عادة بالتراتيل من الناحية الموسيقية أكثر من فرحها من الناحية الروحية ما لم يكن الشخص قد قدم خصيصا للصلاة، وتختم بالقول:
«كشباب بدأت ترى لمحات جديدة أكثر حيث بدأنا نرى كورالات شبابية مثل كورال "القديسة تيريزا" بقيادة "شادي نجار" وغيره الأمر الذي زاد من عدد الشباب الذين يذهبون للكنيسة والذين يقولون بأن السبب الأساسي الذي يجعلهم يواظبون على هذا الموضوع هو الأغاني التي تقدم. أما النسبة لنا نحن، فقد كان عام /2007/ العام الذي انتقلنا فيه كجوقة "الصخرة" إلى مضمار جديد خاص ميزنا عن غيرنا وذلك بلقائنا مع "الآباء اليسوعيين" الذين غيروا نمط تفكيرنا بشكل جذري، وكان الأب "سامي حلاق" يشجعنا على تقديم أغان روحية ووطنية وإنسانية».
ألحان حديثة .. كلمات روحية
ومن النمط السابق انتقلنا إلى نمط آخر مختلف تماما في تجربة أخرى تقوم بها فرقة FDJ أو "كورال أخوية سيدة الشباب للأرمن الكاثوليك" والتي بدأ "رامي طوبجي" الحديث عنها قائلاً:
«إن كورالنا هو كورال تراتيل غير طقسية حيث جاءت الفكرة مع قرارنا بإعادة جذب الشباب الذين لا يستمعون في العادة إلى تراتيل الكنيسة، وقررنا أن تحتوي الترتيلة على نمط الموسيقا الحديثة مع وضع الكلمات الدينية القديمة بأخرى جديدة بحيث نتواصل مع الكبير والصغير. كما كان لدينا بعض التراتيل الجاهزة وأخرى قمنا بتلحينها وتوزيعها موسيقيا، إلا أن التجربة لم تلق النجاح الذي كنا نطمح إليه للأسف لعدم وجود التنظيم والإدارة والتمرين».
أما "نهلة الخلف" فتقول بأن العملية بدأت مع البحث عن الآلات التي كانت مكلفة، ومن ثم انتقلت إلى عملية اختيار الأشخاص ما أدى إلى زيادة عدد أفراد الفرقة ليصل إلى العشرين شخصا، لكن الرسالة التي حاولت الفرقة إيصالها للناس لم تصل كما أردنا، لكننا سنواظب على العمل للوصول إلى النجاح.
الهدف هو تمجيد الخالق والتأمل في ملكوته؛ كان وما زال هذا الموضوع سبب إنشاء الغناء الكنسي في المقام الأول؛ ورغم الوسائل والأنماط الموسيقية التي تم ويتم تقديمها حاليا، فإن الهدف الأساسي لها كلها والقاسم المشترك ما بينها كلها هو الرغبة في إعادة جذب الناس إلى الكنيسة من جهة، ومن جهة أخرى مواكبة العصر بتقديم أنماط موسيقية جديدة تتلاءم مع تغيرات العصر دون فقدان المعنى الروحي الذي يميز هذا النمط من الغناء.
